الرئيسية / مقالات / لماذا أنا ضد الديمقراطية (الآن)؟

لماذا أنا ضد الديمقراطية (الآن)؟

بقلم: محمد بن عبداللطيف

لا جدال أن أمثل الطرق في حكم المجتمعات الأسلوب الديمقراطي، ولا جدال أيضاً أنه (الحل) الأفضل الذي توصل إليه الإنسان الذي من شأنه أن يُفضي (نسبياً) إلى العدل، والمساواة بين الأفراد، والاستقرار، والتوزيع العادل للثروة، ناهيك عن الرفاه الاقتصادي للإنسان بمعناه الواسع، وهذا ما تنعم فيه كل الدول (المتقدمة) التي اتخذت من النموذج الديمقراطي منهجاً لها. هذه نتيجة (تاريخية) تؤكدها كل المجتمعات المتحضرة، لا يمكن أن يرفضها إلا مكابر أو مغالط.

والسؤال: هل الديمقراطية دائماً وأبداً صالحة كأسلوب أمثل لأي مجتمع، مهما كانت طبيعة وظروف (ونضج) إنسان هذا المجتمع؟ بمعنى آخر: هل وصفة الديمقراطية وصفة صالحة لعلاج التخلف في كل الأحوال والظروف والبيئات؟

من حيث المبدأ لا يمكن لأي طبيب أن يصف العلاج قبل أن يفحص (المريض) فحصاً دقيقاً ومتأنياً ليتأكد من صلاحية العلاج. أن تقفز إلى الدواء دون أن تعرف احتماليات آثاره الجانبية، أو لا تهتم بها وكأنها لا تعنيك، فأنت مثل الذي يُعالج آلام مرض ما، بعلاج (قد) يؤدي إلى الوفاة، فيخلص الإنسان من آلامه ومعاناته بنقله إلى المقبرة؛ ربما أن هذا العلاج قد أفلح في علاج مريض هناك، ولكن ليس بالضرورة (أبداً) أن يفلح في علاج مريض هنا.

الديمقراطية لم تأت في المجتمعات الغربية نتيجة (لرؤية) اكتشفها وقال بها فيلسوف، أو اقتنع بها ذات صباح قائد سياسي فذ، بل هي نتيجة لتراكمات تاريخية، وعوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية تضافرت وتفاعلت فيما بينها، وأخذ هذا التفاعل بعداً زمنياً، فأنتج – بالضرورة – الحل الديمقراطي، الذي لم يكن في (نهاياته) التي نراها عليه اليوم كما كان في (بداياته) عندما طبق أول ما طبق.

ومن أجل أن يكون (الحل الديمقراطي) صالحاً في مجتمعاتنا، لا بد (أولاً) من تهيئة مرتكزين أساسيين، هما بمثابة شرطي الضرورة لنجاح الديمقراطية كحل (نهائي) للإصلاح السياسي: أولهما: (الإصلاح التشريعي). وثانيهما: بناء (المجتمع المدني). بمعنى أن توفر هذين الشرطين بالضرورة سيجعل البيئة مناسبة لتفعيل الحلول الديمقراطية. أما البدء بالديمقراطية قبل الإصلاح التشريعي وبناء المجتمع المدني، فإن ذلك يعني ليس فشل الحل الديمقراطي فحسب، وإنما تضعضع أساسات الدولة نفسها.

غياب مؤسسات المجتمع المدني، وحضور المؤسسات التقليدية، وبالذات الطائفة والقبيلة يعني أن الحل الديمقراطي سيفشل. وسيكرس في الوقت ذاته المؤسسات التقليدية كالمؤسسات القبلية، أو الطائفية، لاستغلال الديمقراطية، وتقاسم السلطة والسيطرة على المجتمع. وهذا في النهاية أو في المحصلة سيصب في تكريس وترسيخ التخلف، وسيعيق التنمية.

ولعل ما نشهده (حولنا) من تجارب ديمقراطية فاشلة، يعود – أولاً – إلى قصور تشريعي، وثانياً إلى غياب المجتمع المدني الحقيقي، الأمر الذي أوصل هذه الدول إلى (الهشاشة) والضعف رغم أنها بدأت بالفعل في اعتماد الحل الديمقراطي ولو بشكل جزئي منذ ما يربو على الأربعة عقود، وفي المقابل نجد أن هناك دولاً – ولا أريد أن أسمي نظراً لحساسية الموضوع – لم تعتمد الحل الديمقراطي، وهي في تطبيقاتها، وفي صناعة القرار فيها، أبعد ما تكون عن الديمقراطية، ومع ذلك حققت على المستوى التنموي أضعاف ما حققته تلك الدولة التي اقتربت أكثر إلى الديمقراطية، رغم التماثل تقريباً في عدد السكان، وثقافة الإنسان، والجغرافيا، ومعطيات الثروة. هاتان التجربتان، والقريبة منا إلى حد الالتصاق، والمتماثلتان في كل شيء تقريباً، والمتضادتان في النتائج، تجعل الرؤية التي تقول: الديمقراطية لا المجتمع المدني أولاً في منتهى الضعف.

دعونا – أيها السادة – نقف بكل ما نملك من قوة ومن دعم مع (الإصلاح التشريعي) وبناء دولة المؤسسات، والتركيز على بناء المجتمع المدني، وترسيخ (الوعي) بضرورة هذه الإصلاحات لمصلحة الإنسان في هذا البلد، قبل أن نقفز إلى (آليات) لسنا مهيئين لها بعد. إلى اللقاء.

شاهد أيضاً

لِينشَأْ حكماء في منطقتنا المغاربية *

تتّخِذُ الأنظمة السياسيّةُ الفاشلةُ العائهةُ بِـما جعلتْ بينَها وبين تنميّة بلدانها وتحقيقِ طموحاتِ شعوبها إلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *