الرئيسية / مقالات / من موريتانيا الى باكستان: الديمقراطية المغشوشة *

من موريتانيا الى باكستان: الديمقراطية المغشوشة *

فيما انتهى العسكر في موريتانيا من الانقلاب على الرئيس المنتخب وتنحيته عن السلطة ، بدأت الجمعية الوطنية الباكستانية «البرلمان» اجراءات اقالة الرئيس ـ الجنرال مشرف ، وهي المرة الاولى في تاريخ البلاد.

مشهدان يعكسان واقع الديمقراطية وعلاقتها مع «العسكر» في عالمنا العربي والاسلامي: في الاول يقفز العسكر على السلطة ويعتقلون الرئيس ويشكلون حكومة طوارىء لادارة البلاد ، فيندد رئيس البرلمان «بهذا الخرق السافر للدستور» ويطالب باعادة الشيخ ولد الشيخ الى منصبه.. لكن دون جدوى ، وفي المشهد الثاني يرسل نواب البرلمان بمذكرة اقالة خطية للرئيس الذي استولى على السلطة حينما كان قائدا للجيش عام 1999 ، كخطوة اولى لعزله او لتوصية ما يلزم من اتهامات لمحاكمته واجباره على الرحيل.

انهما وجهان لعملة واحدة ، او هي ان شئت ديمقراطية العسكرة او ديمقراطية القبيلة ، حيث يغيب الشعب عن الميدان دائما ، وتنتهي الصراعات بين القبائل والعكسر الى انتصار احدهما في متتاليات مغشوشة ، الخاسر الوحيد فيها هو المجتمع ، والضحية هم الناس ، والقابضون على السلطة جنرالات او اخرون من «صناعتهم» ، اما اوهام الديمقراطية التي تختبىء في هياكل المؤسسات والبرلمانات والخطابات فلا صدى لها الا في آذان المستفيدين من تداول «عملاتها» في بورصات السياسة والتجارة ، ولا معنى لها الا في اذهان الذين دوّخوا الناس بالوعود.. ودجنوهم لاستمراء الهوان.

لا شيء يدعو المواطن العربي الى المقارنة بين الحالتين: الموريتانية والباكستانية ، ولا الى استشراف مستقبل ما «للديمقراطية» في البلدين ، ولا الى المقارنة بين ولد الشيخ الذي اقاله العسكر وبين الجنرال مشرف الذي يريد «البرلمان» اسقاطه ، ولا الى استذكار عسكريين زهدوا من السلطة قبل ان «يمصّوا» اصابعهم كسوار الذهب السوداني ، او ولد فال الموريتاني ، ولا الى مناقشة الفكر «الانقلابي» الذي يختزله تراثنا السياسي ويتمدد اليوم فوق مهاداتنا باسماء مكشوفة او مستعارة… ، ما يفكر به المواطن العربي اليوم في غياب الامل ، لكي لا نقول غياب الحرية والديمقراطية فقط ، هو استعادة رغيفه وكرامته.. وحقه في الحياة.

تجربة الديمقراطية في عالمنا العربي لم تكن بخير ، لا لأن الانسان العربي لم ينضج بما يكفي لفهم الديمقراطية وتداولها والتعايش معها ، وانما لان «ثقافة» الانقلاب واستيلاد الشرعيات من غير ارحامها كانت – وما تزال – هي المحرك الاساس لماكينة السياسة في عالمنا العربي ، ولان الملعب السياسي لم تصله بعد عدوى الروح الرياضية التي تتداولها اقدام اللاعبين.. لا عقولهم فقط.

لا اسف ، ولا امل ، ثمة عنوان واحد للمرارة العربية والاسلامية تطالعنا به الاخبار والاحداث وهو «التخلف».. هذ الذي تتسابق كل استراتيجياتنا لادامته وترسيخه.. وتنميته ايضا.
* حسين الرواشدة
الدستور

شاهد أيضاً

وهم النصر *

بين حماقات بوتين وطغيان آمريكا ينقسم العرب في الاحتفاء بوهم النصر!.   أوكرانيا كشفت ضعف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *