مقالات

موريتانيا تصنع الصدمة سريعا

رغم أن تاريخ الدولة الوطنية في موريتانيا حافل بالانقلابات الناجحة والفاشلة، فإن الانقلاب العسكري الأخير شكل صدمة حقيقية لدول المجتمع الدولي ومنظماته. وهي صدمة عبرت عنها بوضوح بيانات الادانة والاستياء المتتالية.

وفي الحقيقة هذه الصدمة مبررة لأن كل الانقلابات التي عرفتها موريتانيا في كفة والانقلاب العسكري الأخير في كفة أخرى. ذلك أن دلالاته قاسية ومحبطة، فبعد أن حققت موريتانيا منذ قرابة العام وأربعة أشهر المفاجأة المذهلة التي أدارت أعناق العالم إليها إعجابا وتقديرا لتجسيدها المبهر لأول انتخابات حقيقية وحرة ونزيهة لا غبار عليها وشههد بشرعيتها القاصي والداني، تعود موريتانيا إلى نقطة الصفر وكأن تلك الولادة الحقيقية لتجربة ديمقراطية كانت وهما ونضجا عابرا.

لذلك فإن الانقلاب الذي أطاح الرئيس ولد الشيخ عبد الله أول رئيس منتخب ديمقراطيا ودستوريا منذ 47 عاما من الاستقلال في موريتانيا، كان في الحقيقة انقلابا على المعنى وعلى الديمقراطية وعلى صناديق الاقتراع أكثر منه انقلابا على شخص بعينه.

فالمشكل أننا أمام فعل هدم لما تم تحقيقه ديمقراطيا. ورغم ما تتخبط فيه موريتانيا من مشاكل اقتصاديا ومن مظاهر تخلف اجتماعي ومن تنامي الإرهاب، إلا أن الخطوة السياسية المهمة التي قطعتها في كنف الشرعية والدستور كانت تُهون من كل تلك المشاكل، باعتبار أن نجاحها في تكريس تقاليد ديمقراطية جعل الثقة في النخبة السياسية المنتخبة كبيرة وضاعف من تقدير قدرتها على تذليل الصعاب المعروفة. بمعنى أن الاصلاح السياسي الخارق الذي تمّ، جعلنا نتوقع آليا التقدم في عملية الاصلاح والإتيان على أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية الأخرى.

ولأن المعنى هو الذي وقعت الإطاحة به عمليا، فإن إعلان مجلس إدارة حكم الدولة بأن انتخابات ستجرى بعد أشهر لم يحرك شعرة واحدة لأن ذلك لن يطوي صفحة عدم الاستقرار السياسي والاستنجاد بالانقلابات كحل لمجابهة التوترات، بدليل أن انتخابات أفريل 2007 لم تشفع لها في شيء ولم تكن صمام أمان ضد الانقلابات كما كان متوقعا.

فالمشكل الحقيقي المطروح في موريتانيا اليوم أن ظاهرة الانقلابات بدت أكثر رسوخا وتجذرا في الممارسة السياسية من تجربتها الأكثر من واعدة في الديمقراطية. بل أن المؤسسة العسكرية التي دعمت التجربة الديمقراطية هي نفسها التي تجاوزتها بفعل الانقلاب وهو ما يؤكد مدى أهمية أن تكون المؤسسة العسكرية بعيدة عن السلطة التنفيذية. لذلك فإن ما حصل في موريتانيا يجعل من كل مبررات الانقلاب مجرد تفاصيل لأن الإطاحة الفعلية كانت بالديمقراطية الوليدة وبثقة المجتمع الدولي في ما أظهرته من نضج بدا للجميع ساعتها حالة فريدة من نوعها في الوطن العربي. فهل يستعاد المعنى المطاح به وهل تنسينا الأيام القادمة هذه الصدمة المباغتة؟
amelmoussa@yahoo.fr

مواضيع مشابهة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button