مقالات

الاستِقلال وضَياع الهُوية / محمَّد سالم المجلسي

كُلَّما هَلَّ شَهرُ نفمبر أُوقِدَت الشُّمُوع للأفراح, وَهَتَفَت وَسائلُ الإعلام بِتَمجيد الوَطَن, وشَمَّر المَسؤولُون لإعلان التَّدشينَات وإبراز الإنجَازات, واستَنشَقَ النَّاسُ “عَبَقا من دَمِ الشُّهَدَاء” بالحَديثِ عن ذِكرى الثَّامن والعِشرين نُفمبَر ذِكرَى “الاستقلال” وذِكرَى “الانعتاق” و”الحُرِّية” و”العزَّة”

وغيرها من العبارات والمعاني الَّتي عُبِثَ بِرائقِها, وأفرِغت من حَقائقها, في زَمانٍ جُعل فيه الاعتِداءُ اقتِداءً والانكسارُ انتِصارا, ممَّا يُوجِبُ على الحُذَّاق التَّأملَ في الأَحداث, وَوَزن الواقع بميزانِ الشَّرع, حتَّى يرجِع كُلُّ فرعٍ إلى أصلِه, ويُوضَع الحُكمُ في مَحلِّه.

ولا رَيبَ أنَّ الانتِصارَ والعزَّةَ والتَّحرُّرَ من قُيود الأعداء والنَّجاة من سِهامهم هي أمورٌ مُرتبِطةٌ بالإيمان بالله وإخلاص العبودية له ونُصرة دينه وتلك هيَ محَدِّداتُ الهُوية, يقول سُبحانه: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) (غافر 51) ويَقُولُ جلَّ وعلا: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ) (الصَّافات 171-172) وقال سُبحانَه: (ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ) (يُونُس 103).

ومع وُضُوح هذه الحَقيقة في الوَحْي المُبين وبُروزِها اللاَّمع في سُنَن التّاريخ إلا أنَّه غَابَ طَرحُها في ظلِّ استِقلالٍ لم يُبنَ على نَصرِ الشَّريعة وإقامَة حُدُودِها, وتَحرُّرٍ من قُيُودٍ لم تُكسَر بقدر ما ازدادَت قُوَّةً وَكَثرَة.

لقد قَسَّم المُؤرِّخُون المُستَعمَرات إلى ثلاثَة أَنواع, مستَعمَرات الاتِّجار, ومُستَعمَرات الاستِغلال, ومُستَعْمَرات الاستيطان, وهذا ما يُبَيِّنُ أنَّ لكلِّ استعمارٍ أهدافا يُريدُ تحقيقَها وغاياتٍ يَسعَى لِبُلُوغِها, فهل حقَّقَ المُستَعمِرُ الفرنسيُّ في موريتانيا هَدَفَه وبَلغَ غايَتَه, فَبَقِيَت تَسيرُ في المَدَار الَّذي رَسَم لها إلى اليَوم, أَم أَنَّه عَجَزَ ونَكَصَ علَى عَقِبَيه؟

إنّ المُتَأمِّلَ في هذا السُّؤال والفاحصَ للواقع عَلَى ضَوءِ الشَّريعة لَيُدرِكُ أنَّ البِلادَ لم تَتَحرَّر بَعدُ, بل كانَ للاستِقلالِ المُزَيَّفِ دَورٌ بارِزٌ في تَخدير العُقول وإماتَة الهِمَم حتَّى لا يَقع التَّحرُّر المَقصُود, والانتِصار المَنشُود, وَبيان ذلك في النِّقاط التَّالية:

1 . مسألة تَطبيق الشَريعة:نَتَحدَّثُ عن التَّحرُّر والاستِقلال والبِلادُ لا تَستَطيعُ أن تُقيمَ حَدًّا واحِدا مِن حُدُود الله, فعَن أيِّ نَوعٍ من التَّحرُّر نَتَحدَّث؟ لا شَكَّ أنَّ تَطبيق الشَّريعة مسألةُ هُوية المُجتمَع المُسلم ودَليلُ إيمانه, فقد قالَ سُبحانه: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النِّساء 65) كما أنَّ النَّصرَ الحقيقي هو لمن نَصر الشَّريعة وأقامها, فَقد قالَ سُبحانَه: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (الحجّ 40-41) فإذا رَأينا البلادَ اليَومَ لا تُقيمُ الشَّريعة ولا تُطبِّقُ حُدُودَها إلا بِقدر ما كان مَوجُودا أيَّامَ الاستِعمار وبأمر المُستَعمِر, فإنَّ ذلك دَليلٌ على سَلْبِ الإرادة وتَضيِيع الهُوية وتَحقيق أَهداف الاستِعمار القَديم وتَحَكُّم الاحتِلال الجديد والارتماء في أحضان قُيودٍ ثِقالٍ لولاها لتَحرَّرت البِلاد وتَفيَّأت ظِلالَ الشَّريعة الإسلامية.

2. التَّغريب: وهو أحدُ أَخطَر أهداف الاستِعمار وأعظم وَسائل السَّيطَرة على الشُّعوب واحتِوائها فِكريا وثقافيا, وقد كان المُستَعمِر أبصَرَ من عُقابٍ بِفَريسَتِه, ولم يَجدِ أوفَى لمَشروعِه, ولا أقدَر على إنجازه من أبنائه الذين صَنَع على عَينِه, وقد اعتبر الغربُ نَجاحَه في التَّغريب والغَزو الفِكري أعظمَ نَجاح, في الوَقت الَّذي يَعتَرفُ بِهَزيمَته العَسكرية, يَقُول الكاتِبُ الفَرنسي مُوريل: (إذا أرَّخنا للمعارك فقد أخفق الاستعمار, ويَكفي أن نؤرِّخ للعقليات لنَتَبَيَّن أنَّنا إزاءَ أعظم نَجاح في كلِّ العُصُور, إنَّ أروعَ ما حَقَّقه الاستعمار هو مهزلة تَصفية الاستعمار.. لقد انتقل البيضُ إلى الكواليس، لكنهم لايزالُون مُخرِجي العَرْض المَسْرَحي..) (سيرج لاتوش: تغريب العالم, ص:7)
وتاللهِ لقد صَدَقَ مُوريل فالاستِقلال أو تَصفية الاستعمار ليسَت سِوَى سِتارٍ غُطِّيَ به الدَّورُ الَّذي انتَقَل إليه المُستَعمِر, فَبرزَ في صُورة فكرية وثقافية يُردِّدُ أَصحابُها مع طه حسين قوله: (علينا أن نسيرَ سيرة الأوروبيين, ونسلُك طريقهم لنكون لهم أنداداً، ولنكون لهم شركاءَ في الحضارة خيرها وشرِّها، حلُوِّها ومُرِّها، وما يُحَبُّ منها وما يُكرَه، وما يُحمَد منها وما يُعاب..) (مستقبل الثقافة في مِصر 1/41)
وحسبُنا ما نَراه اليَوم من الخُضُوع لهم والإعجاب بهم والمُشاركة في أحلافهم وتَحكيم قَوانينهم, والالتِزام بنتائج مؤتَمَراتِهم, وإبراز لُغاتِهم على حساب لُغة القرءان, والتَّنافُس على موائدِهم, وغير ذلك ممَّا كاد يَطمِسُ آثارَ الإسلام, بل حتَّى اسمُ البِلاد مُوريتانيا من اختيار المُحتلّ, وتاريخ الاستقلال لم يُدَوَّن بالحساب القَمَري الإسلامي, وإنَّما اعتُبِر بالحساب المُعتَمَد عِند المُحتَل, ليَبقَى التَّغريبُ الاستِعمارِيُّ حاضرا في المَكانِ والزَّمان, وفي ظِلِّ الاستِقلال الَّذي هو استِعمارٌ في ثَوبٍ جَديد لا تَحتاجُ الدُّولُ الاستِعمارية إلى جُيوشٍ وحاكم عسكري وإنَّما تَكفيها قَواعِدُها العسكرية الفِكرية وأبناؤها الَّذين صَنَعت بأَيديها وكانواْ بها أبَرَّ من العَملَّس.

3. قلب مفهوم الصِّراع: إنَّ من السُّنن السَّائرة وُجود الصِّراع بين الحقِّ والباطل والخير والشَّرِّ, حتَّى يَميزَ اللهُ الخبيثَ من الطَّيِّب, فيذهب الباطلُ خاسئا, ويَمكُثُ الحقُّ في الأرض, لكنَّ هذه الحقيقة غُيِّبَت عن واقِع الاستِقلالِ المَزعُوم فلم يُنظَرْ إلَيه عَلى ضَوْءِ قَول الله تَعالَى: (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) البقرة (217) وما يَدُلُّ عليه من استِمراريَّة قِتالِهم وعَدَاوَتِهم للمُسلِمين, وإنَّما مُحِيَت الفَوارِق ووَقَع الامتِزاج حتَّى طُرِحَ المَفهُومُ الصَّحيح للصِّراع.

لقد وُجِد في البلادِ الشنقيطية مُجاهِدُون أبَوا الضَّيمَ وَرَفَضوا التَّبَعية, فضرَبواْ أمثلةً رائعة على العزَّة والثَّبات, ورسَموا مشاهِدَ في غاية الجمال, فكانُوا يَقطَعُون آلافَ الأميال لمُواجهة النَّصارَى الَّذين يَفُوقُونهم عُدَّةً وعَتادا, وبذَلوا أنفُسَهم وعُلُومَهم في جِهادِهم, وكانت حَقيقةُ الصَّراع ماثلةً أمام أعيُنِهم, وما أحسَن ما قالَه الشَّيخ ماء العَينين ولد لعتيق عن تلك الحقيقة في قَصيدَته المُعرِبَة والمُطربة:
وَقَارِي “ولَن تَرضَى” “وَمَن يَتَولَّهُم”.. و”إن يَثْقَفُوكُم” أين عَنها ازْوِرارُهُ؟

إنَّ هذا المَفهُومَ الجهاديَّ وذلك الوَلاء والبَراء المُبَيَّن في القُرءان والَّذي عَمِلَ به أولئك المُجاهِدُون صارَ تَشدُّدا وتَطرُّفا ونبذا للآخر وانغلاقا, في عُرفِ هذا العهد الَّذي اشتَدَّ فيه الصِّراع, وتَحكَّمت فيه العولَمة, وبَرَز نِظام عالَميٌّ جَديد, تَقُودُه رُؤوسُ الكُفر, والدُّولُ المستقلَّة أتباع, فيا له من استِقلالٍ بارد وثَورَةٍ هادِئة!

4. الاعتِماد على المُستَعمِر: وإن تَعجَبْ فَعجَبٌ اعتِمادُ الدُّوَّل المُستقلَّة -إلا ما قلَّ- على مُستعمِريها وتَأثُّرُها بِهم, وكأنَّها تَأخُذُ الدَّلالةَ الأصلية لكلمة “استعمار” الَّتي تُفيدُ عِمارَة الأَرض وإحياءَ مَواتِها, وكأنَّ المُستعمِر لم يُخلِّف جِراحا تَنزِف ولا عيونا تَذرِف, فنجِدُها تتَسابَق إلى ما رَسَمَ لها المُستَعمِرُ من دَساتيرَ وديمُقراطيةٍ وحُقُوق إنسان ومناهِج تَربَوية, ولَيتَ شِعري كَيفَ تُستَورَدُ أنظمةُ الحُكم والحُقوقُ الإنسانية ومَناهجُ التَّربية ممَّن قَطع البِحَارَ وآلافَ الأَميال في عُمْقِ الصَّحاري لِيعبَث بالمُجتمعات ويَنهَب ثَرَواتِ الأرض ويَدُوسَ كرامَةَ الإنسان بأبشَع الوسائل وأسمج الأساليب؟

إنَّ الثَّورة الفرنسية سنَة 1789م والَّتي انبَثَقَت عَنها مَبادِئُ الدِّيمُقراطية وحُقُوق الإنسان والحُرِّية لم تَمنَع فَرنسا من أطماعِها الاستِعمارية بل ازدادَت مُستَعمَراتُها, وقَوِيَ نُفُوذُها, واشتَدَّ استِعبادُها للشُّعوب, ونَهبُها للثَّرَوات, ومَع ذلك تُتَّخَذُ نتائجُ ثورَتِها أساسا للبِناء وعُنوانا للتَّقدُّم.
لقد علَّمنا الإسلامُ الاعتِرافَ بالحقائق وتَسميةَ الأشياء بأسمائها مَهما كان ذلك مُوجِعا, فقد جاء في القُرءان عن يَوم أُحُد: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا) (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ) (مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ) وَذَكَر عن يَوم حُنَين رغمَ ما نزل فيه من السَّكينة ووَقَع من التَّأييد والنَّصر: (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) وهكذا تُذكَرُ المَصائبُ والقُرُوحُ والخَوف والفِرار وإن خُتِمَت بنَصرٍ يُبرِئ الجِراح, ويُوقدُ جَذوة الأفراح, وذلك للتَّعَلُّم من الهَزيمَة وتَجاوُز الأخطاء, وليستَمرَّ الجِهادُ حتَّى تُكسَرَ القيُود وتُزالَ الحواجز.

لقد أماتَ الاستقلالُ المُزَيَّف تلك الرُّوحَ الجهادية وَوَأَدَ ذلك الطُّموحَ الإيمانيَّ بطَيِّ صفحة الجِهادِ المتواصل لاستعادة الهُوية الَّتي ضاعَت تَحتَ وَقْعِ التَّناغُم مَع المُستَعمِر, وإنَّ الهُوية لَهِيَ الثَّوابت الَّتي لا تَتَغيَّر ولا تَترُكُ مَكانا لِنَقيضِها, وهي كما يَقول أهلُ المَيدان: “جِمَاع ثلاثة عناصر: العقيدة الَّتي تُوَفِّر رؤيةً للوُجود، واللِّسان الذي يَجري التَّعبير به، والتُّراث الثَّقافي الطَّويلُ المَدَى” ولا رَيبَ في ذَوَبانِ كثيرٍ من ذلك في سُيول الاستِعمار الجارِفة الَّتي تَصُبُّ في وادي استِقلالٍ لم يُمسِك عَقيدةً ولم يُنبِت حَضارة, والله المُستَعان.

محمَّد سالم المجلسي,

انواكشوط 4 صَفر 1436 للهجرة

مواضيع مشابهة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button