الرئيسية / مقالات / 6 أغسطس… ورهان الشرعية الخارجية

6 أغسطس… ورهان الشرعية الخارجية

الحسن ولد احريمو

صحفي موريتاني
ould_mokhtar@yahoo.fr

في سياق معهود السياسة الدولية، لاشك أن البيان المقتضب الذي أصدره مجلس الأمن خلال الأيام الماضية حول حركة التغيير التي جرت في موريتانيا يوم 6/8/2008، وما ورد فيه من “تنديد” بالحدث، ومطالبة بعودة ما سماه “الشرعية” ممثلة في الرئيس السابق وحكومته، يعد مؤشرَ نوايا مهمّاً على الطريقة التي كيَّفت بها بعض القوى الدولية العظمى، والمؤثرة، هذا التحول السياسي واستحقاقاته. وهو مؤشر ينبغي لمختلف القوى السياسية الوطنية عدم تضييع فرصة قراءته، قبل فوات الأوان، أو التواني في الإمساك بأطراف الخيوط الكثيرة التي قد تمتد منه، أو إليه. وعندما نقول القوى السياسية، فالقصد ينبغي أن يكون واضحاً، حتى تصل الرسالة. والمقصود تحديداً هو المجلس الأعلى للدولة وقيادته و”قوى التغيير” التي انحازت إليه من جهة. ومن جهة أخرى قوى “الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية”، التي ما زالت تبدي “ممانعة” تجاه الوضع الجديد، بكيفيات يزيد الشعور بها أو يقل، ولأسباب ذاتية أو حزبية كثيرة، قد يكون الخوض في تفاصيلها مما يفيض مساحةً عن هذا التحليل السياسي الموضعي.

ولعل أول ما أشَّرتْ إليه تلك “الإدانة” الاستعراضية والمطالبة العلنية “الدولية” -في الواقع الأميركية- هو وجود قابلية للتفاعل والاشتباك –سلباً أو إيجاباً- مع الشأن الموريتاني الآن أكثر بكثير مما بدا عليه الحال لمعظم المراقبين صبيحة يوم 6/8 نفسه. وهذا التفاعل الأميركي المتنامي، المُعبَّر عنه في مجلس الأمن، قد يكون مطيَّة لنوايا “مبيَّتة”. وقد يكون رسالة لدول شرق أوسطية وعربية أخرى يعتبر توصيل “الرسائل” إليها بوسائل مباشرة غير “المثال الموريتاني” أكثر تكلفة. وقد يكون أيضاً نتيجة لقصور في التواصل مع العالم الخارجي، عانت منه بعض قنوات وأجهزة الدبلوماسية الموريتانية وسط التدافع والتجاذب الداخليين، ما جعل، تالياً، بعض رسائلها لا يُلتقط على النحو المطلوب في عواصم كبرى وإقليمية، وبالكيفية التي ينبغي أن تصل بها. وقد يكون هذا التطور -أخيراً- نتيجة تفاعل دولي مع الطريقة التي تصرفت بها قوى “جبهة الممانعة” الجديدة، في تحريضها على عملية التغيير، وسعيها “الشمشوني” لتدمير المعبد على من فيه، عملاً بمبدأ “عليَّ وعلى أعدائي”، ودون التمييز اللازم بين ما ينبغي أن يبقى، في كل الأحوال، شأنا داخلياً وطنياً، وما يمكن أن يتم تعويمه وتدويله دون مساسٍ بالسيادة الوطنية، أو إعطاءٍ لأي طرف أجنبي نوعاً من “الوصاية” على قرارنا، وحراكنا السياسي الداخلي.

وكائناً ما كان السبب، فإن بيان مجلس الأمن مُهم وخطير مضموناً بقدر ما يبدو عارضاً وبارداً شكلاً. وذلك لأنه قد يكون مجرد طلقة تحذيرية تخفي وراءها نوايا مواجهة مبيتة، وبالتالي شهية أكبر للاشتباك السلبي مع الملف الموريتاني. وفي هذه الحالة، وفي أسوأ السيناريوهات، سيكون هذا البيان المموِّه بمثابة الجزء الصغير المرئي حتى الآن من جبل الثلج. وسيمهد الأرضية التشريعية في المنتظم الأممي لقرارات أخرى لاحقة، كفرض عقوبات اقتصادية أشد مثل تجميد الأرصدة أو منع السفر، أو أية إجراءات أخرى غير مريحة لموريتانيا. وتزداد مخاطر هذا السيناريو، إذا عرفنا أن ساكن البيت الأبيض ابتداءً من يوم 20/1 من العام المقبل، ترجح استطلاعات الرأي حتى الآن أن يكون باراك أوباما، وهو ما يعني ضخ مزيد من القوة في أشرعة اللوبي المعادي في واشنطن لتحولات التجربة السياسية الموريتانية. والإشارة هنا ليست أبداً إلى لون المرشح “الديمقراطي”، وإنما هي بالدرجة الأساس إلى توجهاته الليبرالية الطوباوية، “الرسولية”، شبه الأصولية.

والحال أن محاولة التأثير على التصورات القائمة عن تحول 6/8 في العواصم الدولية والإقليمية المؤثرة، وإقناعها بسياقه، ودواعيه، ونزع شبهة “الانقلاب” عنه، مع كل ما تستدعيه كلمة “انقلاب” وتستبطِنه من شحنات بالغة السلبية، من واقع تجارب وطننا العربي، وقارتنا السمراء، الحال أنها مهمة ينبغي أن توضع على رأس أولويات “قوى التغيير” اليوم. وهي مهمة ليست يسيرة بأي شكل، لأن تخليق شروطها الموضوعية يستدعي عملاً مزدوجاً على الساحتين الوطنية والدولية، لتعزيز الشرعيتين الخارجية والداخلية، لما جرى، ولما سيجري أيضاً.

الشرعية الخارجية… إعادة تكييف

إن أي قرار وطني سياسي أو سيادي كبير، يتخذ في زمننا هذا ويكون مؤداه تغير ذو شأن في بنية النظام القائم في بلد ما يحتاج إلى شرعيتين اثنتين، داخلية وخارجية. وتزداد أهمية كل من هاتين الشرعيتين بحسب ما يكون عليه حال ذلك البلد من تماسك سياسي داخلي، ومن تعمق للوعي الوطني في نسيج طبقته السياسية والاجتماعية من جانب، وكذلك بالقدر الذي يكون عليه أيضاً لجهة قدرته على الاكتفاء الذاتي والاعتماد على نفسه اقتصادياً، وسياسياً، ودفاعياً من جانب آخر.
ومع أن السيادة الوطنية لأية دولة ظلت دائماً مفهوماً نسبياً، وسائلاً، في تطبيقاته على أرض الواقع، في مختلف الأزمنة والأمكنة أو على الأقل منذ ظهور مفهوم الدولة الوطنية مع “اتفاقية ويستفاليا” 1648، من باب الترابط التضامني لدول العالم جميعاً داخل أسرة دولية واحدة، إلا أن هذا المفهوم اكتسى منذ تسعينيات القرن الماضي طابعاً من السيُولة تجاوز سمة النسبية، وقارب حدود الهشاشة والتلاشي والاضمحلال، بل الزوال. وهذا يصدق على الدول الكبرى، والعظمى، ومن باب أحرى الدول النامية والفقيرة. وموريتانيا هنا ليست استثناءً. والاستثناء في مستقر العلاقات الدولية يؤكد القاعدة، ولا ينفيها، أبداً.

واستشعاراً لأهمية ورقة الشرعية الخارجية وموقفها مما جرى ويجري في موريتانيا، سعى طرفا التجاذب منذ صبيحة 6/8 لاستقطاب هذا الموقف والتأثير عليه لجعله ورقة دعم في أيدي قوى التغيير، أو ورقة ضغط تصطف إلى جانب “جبهة” قوى المانعة. وقد فعل الطرفان ذلك باستراتيجيتين متفاوتتيْ الفاعلية والتأثير، وبوسائل بعضها من معهود وآليات الصراع السياسي الداخلي المعتاد في مثل هذه الحالات من التجاذب، وبعضها الآخر يدخل في سياق الرهانات غير المناسبة المراهنة بالكامل على الخارج في حسم شأن وطني، داخلي، مئة في المئة.

ولاشك أن قوى التغيير الداعمة لحركة 6/8 تمكنت بسرعة من استقطاب طيف سياسي وشعبي واسع في الداخل، أسست عليه بسرعة، شرعية داخلية، لا مشاحَّة في جديتها وسعة قاعدتها، إلا أن هذه الشرعية تريثت لمدة ثلاثة أسابيع حتى الآن في استكمال ما كان ينبغي أن يُبنى عليها من خطوات تالية، لزوم ترتيب البيت الداخلي، وتلافياً لأي استعجال في سد فراغ السلطة التنفيذية، وكل ذلك بسبب مساعٍ لتوسيع قاعدة المشاركة في ترتيبات سياسية أريد لها أن تنضج على نار هادئة. وهو تريُّث قد يكون فُهم في العديد من العواصم الإقليمية والدولية خطأً على أنه عرَضٌ من أعراض التباطؤ، أو حتى التردد. وهذا ما جعل التفكير، في عودة الحال إلى ما كان عليه قبل 6/8 يبقى وارداً في بعض الأذهان، وربما مطروحاً على بعض الأجندات الخارجية أيضاً.

وزاد الموقف تجاذباً السعي بسرعة لنشدان اعتراف دولي وشرعية خارجية، والتحرك في سبيل حشد ذلك وسط خرائط إقليمية ودولية محتقنة سلفاً، ومليئة بتناقضاتها الذاتية الخاصة، قبل حسم ورقة الشرعية الداخلية بإيجاد تسويات مع الفرقاء في الطرف الآخر، وأيضاً قبل ملء الفراغ في السلطة التنفيذية بشكل كامل، وهو الأهم.
ومن الوارد القول إن نشدان ذلك “الاعتراف” أو الدعم الخارجي مبكراً لدى عواصم إقليمية ودولية قبل حسم السجال المحلي قد يكون نبَّه تلك العواصم إلى الأهمية الكبيرة المُعلقة، داخلياً، على مواقفها. كما أدى التريُّث وعدم رؤية أمر واقع جديد على الأرض، كقيام سلطة تنفيذية وحكومة كاملة فاعلة، إلى انعدام الوضوح في الصورة أمام بعض تلك العواصم، وهو ما يفسر حذرها البالغ، بل وأحياناً خطابتها السياسية المواربة، التي تبدو كما لو كانت موجَّهة عملياً إلى طرف ثالث، لا يبدو الآن في الصورة، ولكن قد يعود إليها في يوم من الأيام!

وحتى لا يظل الكلام عاماً واصفاً، فإن سوْق بعض الأمثلة ربما يبدو مفيداً هنا لإسقاط هذه الافتراضات والمؤشرات على بعض ما تحيل وتشير إليه.

والمثال الأول هو طريقة تعاطي العاصمة الأميركية واشنطن، التي كان أحد حلفاء الرئيس المخلوع يشغل منصب السفير فيها. وتردد أنه أعلن فجأةً وبشكل استعراضي استقالته، متظاهراً بأن ذلك يتم احتجاجاً على ما جرى في البلاد، مطلقاً تزامناً مع مغادرته لموقعه موجة تصريحات ربما أراد بها إلحاق أكبر قدر ممكن من الإضرار بصورة الحالة الجديدة في موريتانيا في أوساط الإعلام الأميركي، والرأي العام الغربي عموماً. وإذا زدنا على ذلك ارتهان صورة موريتانيا أصلاً في أروقة وزارة خارجية الآنسة “كوندي رايس” لادعاءات بعض أكثر مثقفي الدياسبورا الزنجية الموريتانية -واسعة الانتشار في أميركا- تطرفاً ولاعقلانية، فإن تفاعلات الحديث عن استقالة وتصريحات “السفير” بدت كما لو كانت تأميناً وتصديقاً منه على مزاعم اليسار الزنجي المتطرف حول كون التغيير الذي جرى “انقلاباً”، وعلى نحو بدا الوضع معه بطريقة كيْدية وكأن شاهداً من أهلنا شهد علينا من منطلق “مبدئي” هناك.

ولذا بدت إدارة بوش أكثر قابلية سلفاً لتصديق سابق “خطابة” اللوبي المعادي لموريتانيا، الذي يقوده مثقفو “دياسبورا” FLAM في أميركا وتعضده اللوبيهات الزنجية الأميركية، تحت عناوين وديباجات، ولأسباب، مختلفة. ولذا قطعت واشنطن خطوة مبكرة باتجاه التحرُّش بالحالة الجديدة في موريتانيا عندما أوفدت أصلاً أحد نواب وزيرة الخارجية، لاستطلاع الوضع على الأرض. والظاهر أن ما جاء به في إضباراته هو ما كشف، مؤقتاً، اتجاه مقاربة إدارة بوش، ومؤشر شهيتها لمزيد من الاشتباك السلبي مع الحالة الجديدة. والأرجح أنه واجه خلال زيارته لنواكشوط مشكلة في التواصل communication الذهني مع تعددية المشهد السياسي، فجاء باحثاً فقط عما يصادق على الأحكام المسبقة الجاهزة التي جاء مشحوناً بها سلفاً، وأثر كل ذلك، تالياً، على فهمه للحالة القائمة، إضافةً، طبعاً، إلى الإرباك والتشويش اللذين ولدتهما لقاءاته مع رموز “جبهة الممانعة”، وبطريقة أظهرت له هامش الحرية المتاح للمعارضة الجديدة، على أنه انعدامُ أو تأجيل حسمٍ، لحالة ما زالت قيد التخلُّق. وكانت المشكلة هنا، مرة أخرى، مشكلة اتصال بالدرجة الأولى، أخفقت فيها الإدارة الأميركية في مهمة فك شيفرة “العلامات” les signes الكثيرة التي لقيها المبعوث الأميركي في موريتانيا. وكان على نواكشوط مساعدته في هذه المهمة، لأن التأثير على التصور الذي ستنتهي إليه الإدارة يهمها هي، بالأصالة، وفي المقام الأول. وهذه المساعدة على الفهم الصحيح كان على قوى التغيير وقوى الممانعة الإسهام فيها معاً.

والمثال الثاني يتمثل في عملية التواصل المبكر مع دول الجوار المغاربي، والمبادرة بإرسال وفد رفيع لوضعها في صورة ما جرى، والسعي لاستقطاب موقفها، وهي مبادرة ربما قُُرئت على نحو خاطئ أيضاً في بعض العواصم الإقليمية. فقد بدا أنها فُهمت خطأً باعتبارها “دعوة” مبطَّنة للتدخل في شأن داخلي موريتاني صرف، فوقع التدخل فيه دون تحفظ، وتم إخراج ذلك بطريقة إعلامية رديئة، شكلاً ومضموناً.

ومع أن المقام هنا ليس مقام الخوض في تعقيدات وتجاذبات العلاقات المغاربية، إلا هذا التذكير والاستطراد –عموماً- هو مما يساعد على استنتاج وجود حساسيات ذاتية في المشهد الإقليمي نفسه، قد تؤدي إلى مواقف ربما تفهم على أنها سلبية، وإن كانت في جوهرها غير موجهة بالأساس ضد حالة التغيير الجديدة في موريتانيا، بقدر ما هي موجهة إلى أطراف أخرى إقليمية. وربما يلزم في هذا المقام التأكيد على أن تردد الموقف الخارجي الإقليمي –والمغاربي خاصة- بدا بسرعة أن سقفه قريب، وأن احتواءه ممكن، وأن تفاعله الإيجابي مع حركة التغيير شبه مضمون. ولكن شرط ذلك الاحتواء، وتحييد أية مواقف مسبقة أو تشوش في الفهم أو الصورة عموماً، هو أن نستمر في مساعدة أشقائنا هناك على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، في بناء صورة أوضح عن حقيقة وأبعاد ما جرى، ويجري، هنا على ساحل المحيط الأطلسي. وهو ما يعيدنا مرة أخرى إلى ضرورة تفعيل وتحسين أداء آليات وقنوات الاتصال والتواصل la communication.

والنتيجة أن مساعي قوى التغيير لاستقطاب مواقف إقليمية ودولية، على طريق ترسيخ مبكر لشرعية خارجية لتحول 6/8 السياسي، لم تكن بلا آثار عكسية، أقلُّه لإعطاء تلك الشرعية دوراً أكثر مما تستحقه في شأن داخلي، يحسم أولاً وأخيراً، داخل موريتانيا، ووفق قواعد اللعبة السياسية القائمة فيها.

قوى “الجبهة”… والرهان الخارجي

أما الطريقة التي راهنت بها قوى “الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية” على ورقة التفاعل الخارجي مع تحول 6/8 فأقل ما يمكن أن توصف به هو أنها غير مثمرة سياسياً وضارة وطنياً. فبدل مواجهة حقائق الشارع الموريتاني واستحقاقاته، أو الاستثمار في التأسيس لمعارضة داخلية وطنية ذات مصداقية وبرنامج ومرئيات، تحولت بعض قوى “الجبهة” إلى استجداء التدخل الخارجي، وألقت بكامل البيض في سلة ما قد يصدر عن هذا الطرف الدولي، أو ذاك. وبسرعة أصبح نشاط بعض أقطابها نوعاً من التحريض الكيدي للقوى الأجنبية، عبر وسائل الإعلام، والمرابَطة على أبواب السفارات أملاً في أن تتدخل العواصم الأجنبية صراحة في شأن داخلي وطني.

وفي هذه الأثناء التقط بعض أنصار “الجبهة” وحلفاؤها طرف هامش الحرية المتاح بطريقة خاطئة أيضاً، وتصرفوا على نحو لا يعبر عن تعلق حقيقي بروح الديمقراطية والقيم الجمهورية. فهنالك فرق شاسع بين النضال الوطني الداخلي الشريف وبين التحول إلى كتابة العرائض الكيدية للسفارات، والمبعوثين الأجانب، أو التفاعل مع الأطراف الخارجية حول تجاذبات الحالة الوطنية الداخلية. تماماً كما أن هنالك فرقاً شاسعاً بين المطالبة بعودة “الحكم الدستوري” وبين سياسات تهييج الشارع، وتغذية وركوب النعرات الفئوية والجهوية. ولحسن الحظ أن حقائق الواقع وتوجهات الرأي العام الوطني أيقظت بسرعة بعض قادة “الجبهة” من أوهام شعبية جارفة تخيلوا أنهم سينالونها، من وراء سياسات ركوب الموجة، وامتطاء صهوة العنتريات والخطابة واللغة الخشبية. إذ ليس سراً أن من شاركوا فيما سمته “الجبهة” في أدبياتها بـ”مسيرة التحدي” جاء دون أقل توقعاتهم، وأكثرها واقعية، ولم يتجاوز في أكبر التقديرات آلافاً، معظمهم من الأطفال، والفضوليين، وعابري السبيل. وكانت تلك رسالة “كفاية” جدية وحقيقية من الشارع الموريتاني -هذه المرة- مؤداها أن فترة سنة ونصف من التخبط، والعطالة، والإخفاق الاقتصادي، والمقايضات الحزبية، وسياسات تعزيز الفشل، تكفي.. وتكفي. وأن حكومة الائتلاف الحزبي السابق لم تترك في النفوس ما يدعو القطاع الأعرض في الشارع إلى التعاطف معها، أو إظهار الولاء لها.

وفي المجمل فقد بدا أن رهان قوى “الجبهة” الوحيد حتى الآن هو على دور العامل الخارجي، بعد أن انفضَّ عنها القطاع الأوسع من الشارع وانفصل عنها منذ صبيحة يوم 6/8. وهو رهان، حتى لو ألحق أذى محسوساً بالحالة القائمة الآن، فإن مردوده على المدى البعيد ضار سياسياً لمستقبل القوى المنخرطة في “الجبهة”، وأقل ما يمكن أن يؤدي إليه هو تآكل رصيدها السياسي الشعبي على المستوى الوطني، في أي استحقاق انتخابي مقبل. هذا فضلاً عن كونه ينال من السيادة الوطنية، ويعطي عواصم أجنبية حق “فيتو” لا تستحقه على الحراك السياسي والاجتماعي في بلادنا مستقبلاً. وهذه ستكون سابقة خطيرة. وكلتا النتيجتين غير مثمرة، وضارة، وذات آثار عكسية، تصعب قراءة آفاقها، وتداعياتها المستقبلية، بشكل قاطع، من زاوية النظر المتاحة حالياً.

إلى أين… من هنا؟!

ولاشك أن كل هذا التدافع في ترتيب سُلم الأولويات لترسيخ الشرعيتين الداخلية المتهيئة، والخارجية التي تقتضي الموضوعية الاعتراف بضرورة تدعيمها، يطرح الآن، وبإلحاح، السؤال أعلاه: إلى أين… من هنا؟ وهو سؤال نعتقد أن القارئ ينتظره منذ وقت طويل. أما جوابه فيمكن إيجازه، تلافياً لمزيد من الإطالة والاستطراد، في النقاط التالية، من موقع كل من جبهتيْ التجاذب:

أولاً: خريطة طريق أمام “قوى التغيير”

وهي قوى يقتضي منها التجاذب القائم اليوم إنتاج استجابات غير تقليدية لإنهاء حالة الاستقطاب القائمة بينها وبين جبهة “الممانعة” من جهة، ولمواجهة واحتواء ضغوط الموقف الدولي، ومحاولات فرض أمر واقع أو نوع من “الوصاية” على خياراتنا، وسيادتنا الوطنية، تالياً، من جهة أخرى. وليس هنالك أي طرف سياسي وطني في موقع أفضل لإنتاج تلك الاستجابات غير التقليدية والضرورية اليوم أكثر من المجلس الأعلى للدولة وقوى التغيير الداعمة له. ولعل في مقدمة الخطوات التي يفترض في قوى التغيير المبادرة بالقيام بها على هذا الطريق ما يلي:

1- الإعلان في أسرع وقت ممكن عن موعد محدد قريب للانتخابات الرئاسية المقبلة، مع تقديم ضمانات حول شفافية ونزاهة إجراءاتها. ولو كان ذلك وقع منذ الأيام الأولى لكان كثير من العواصم الإقليمية والدولية سيجنح إلى تكييف مختلف تماماً لطبيعة ونوايا حركة 6/8. ولكانت صفة “الانقلاب” على حكم منتخب ستنتفي استطراداً، مع كل ما تستدعيه كلمة “انقلاب” من سلبيات وهواجس سياسية في سوق التداول الإعلامي، وأيضاً مع كل ما تثيره من كوابيس وأشباح مروِّعة في أروقة بعض أنظمة الحكم الشمولية العربية والإفريقية بالغة الهشاشة، وضئيلة -إن لم تكن عديمة- الشرعية أصلاً، والتي ستؤيد، دون قيد أو شرط، وبقوة، أية إجراءات تؤسس لها سابقة “بوليصة” تأمين Assurance ضد “الانقلابات”. وفي حال حدوث مبادرة جريئة كهذه، يتأسس على رافعتها السياسية اشتباك إيجابي مع الموقف الدولي، فسينسحب البساط تلقائياً من تحت أقدام التدخلات الأجنبية، التي تنتهز الآن فرصة عدم تحديد أفق زمني واضح ومعلن للخطوة التالية ذريعة للتدخل الصريح في شأن داخلي موريتاني صرف. كما ستوفر مبادرة سياسية هجومية من هذا القبيل على بوش وساركوزي تحديداً عناء اللجوء إلى سياسات وتدابير أخرى أقل واقعية، وأكثر تكلفة وتطلُّباً، قد تفرضها عليهما لوبيهات متنفذة وتعقيدات سياسية أخرى كثيرة داخل بلديهما. وقد يقتضيها أيضاً لزوم ضرب نموذج على المسرح الدولي، والتأسيس لسابقة خطيرة في العلاقات الدولية بـ”المثل الموريتاني” المغري، بالنظر إلى إمكانات البلد وقدراته المحدودة عموماً، ولانطباق أي إجراء يتخذ فيه على الحالتين العربية والأفريقية معاً. بمعنى أنه سيوفر على القوى الدولية المتنمِّرة فرصة لضرب مثالين بمثال واحد، وغير مكلف.

2- بذل كل ما هو ممكن من جهد للفوز على جبهة معركة الصور والإيقونات السياسية، وإفهام العالم أن ما جرى ليس انقلاباً، وإنما هو تحول سياسي داخلي كان يمكن أن يتم بالوسائل الدستورية والتشريعية المناسبة، لو لم تكن جميعها معطلة، لحظة وقوعه. واستمرار بقية بنية المنظومة الدستورية قائمة يساعد على الدفاع عن هذا الطرح. وكلما كسبت قوى التغيير معركة الصور والإيقونات كلما ازدادت قوتها الناعمةSoft power المعززة لقوتها الصلبة Hard power القائمة على الأرض، وفي الشارع. وسيؤدي ذلك بالتبعية إلى كسب متصاعد لمعركة القلوب والعقول. ومفهومٌ أن كسب معركة الصور والإيقونات على الصعيد الدولي لصالح تغيير 6/8 ما زال ممكناً ومتاحاً حتى الآن، وخاصة أن تفاعلات الحالة الموريتانية المستجدة في الإعلام الدولي ما زالت محدودة عموماً. وعلى سبيل المثال فإن أبرز ما استقطبه الحدث حتى الآن في الإعلام الأميركي، وما يوزعه على نطاق واسع في إطار خدماته التحريرية على الصعيد الدولي، كان تحليلاً سياسياً معمقاً كتبته كارولين باكستر، من كلية الشؤون الدولية والعامة بجامعة كولومبيا، ونشرته في صحيفة “كريستيان ساينس مونيتور” يوم الأربعاء الماضي، وحمَّلت فيه إدارة بوش المسؤولية عن حالة الانسداد التي وصل إليها المسار الديمقراطي الموريتاني، وذلك لتقاعسها عن دعم النظام السابق مالياً. ومع أن وجهة التحليل هذه خارجية وموضعية، وتفتح آفاقاً أخرى للتأمل، فإن الغرض منها لا يبدو بالأساس في إطار حملة ضد الحالة الجديدة في نواكشوط، بقدر ما يبدو لفتاً للانتباه إلى أهمية دعم الديمقراطية في الدول العربية الفقيرة مالياً، وخاصة أن الكاتبة تنطلق في أحكامها من تجربة شخصية، كونها شاركت ضمن الجمعيات غير الحكومية في مراقبة انتخابات موريتانيا الرئاسية السنة الماضية. وقد كالت للبلد، على كل حال، ثناءً مستحقاً حول تسامحه الديني وثقافة أهله المنفتحة الراقية، بكل المقاييس.

3- استثمار كل الجهد السياسي في ترسيخ الشرعية الوطنية الداخلية، وتقديم كل ما هو ممكن من تطمينات وفرص شراكة سياسية لأطراف “الجبهة” الممانعة، كأحزاب، وككتلة. وذلك لأن رسوخ أقدام الشرعية الداخلية، واكتمالها، يجعل أية مزايدات خارجية عديمة القيمة، وغير ذات صلة. فالشرعية الداخلية تقطُر وراءها ميكانيكياً الشرعية الخارجية، والعكس غير صحيح، وذلك لأن الأولى، في هذه الحالة، متغير سياسي “مستقل”، بينما تبقى الثانية، في كل الأحوال، متغيراً “تابعاً”.

4- فتح مخارج أزمة مريحة أمام بعض القوى المؤثرة ضمن جبهة “الممانعة”، ومساعدتها على اكتشاف هذه المخارج المشرِّفة، ودون تعريضها إلى أي فاقد سياسي قد ينجم عن ظهورها بمظهر المتنازل عن مطالبه، أو المنقلب على حلفائه.

5- سد أي فراغ بأسرع وقت ممكن في السلطتين التنفيذية والتشريعية، ووضع العالم الخارجي أمام مشهد مكتمل، وأمر واقع ناجز ينفي من الأذهان أو الأجندات أي احتمال لعودة الوضع السابق.

6- إيصال رسالة واضحة للعالم الخارجي عن الخطوط الحمراء ذات الصلة بالسيادة الوطنية، وفي مقدمتها التدخل في تحديد من يشغل أي موقع في هرم السلطة في بلادنا. وأن شعبنا لن يقبل وضعاً سياسياً مفروضاً عليه بإملاء من إضبارات وحقائب المبعوثين الخارجيين، كما قبل بعض العراقيين مثلاً التعاطي مع ساسة “المنطقة الخضراء” القادمين على ظهور دبابات المحتل الأجنبي. وخاصة أن القوى الخارجية استنفدت سلفاً ما لديها من أوراق ضغط ممكنة على نواكشوط، فمفوض الاتحاد الأفريقي الذي وصل اليوم الاثنين 25/8 مثرثراً بما زعم أنه سمعه في باريس التي حرص على القدوم منها على رغم كونها بعيدة عن طريقه الأصلية، يأتي مبعوثاً باسم منظمة قارية جمَّدت عضوية موريتانيا سلفاً، ولم يعد لديها ما تستطيع الضغط به أكثر من ذلك. والمندوبة الأوروبية تأتي من منظمة فعلت الشيء نفسه حين جمدت مساعداتها كذلك. وواشنطن وصندوق النقد الدولي فعلا الشيء ذاته. وأكثر من ذلك ينبغي إفهام باريس خاصةً أن ثمة حدوداً يجب أن تقف عندها تصريحات بعض الناطقين باسم حكومتها التي تزداد مع مرور الوقت فجاجة، وهي تتدخل في شؤون موريتانيا الداخلية.

7- اتخاذ خطوات وتدابير تشريعية واضحة لمتابعة حالات الفساد والتعدي على المصلحة العامة وإساءة استخدام السلطة التي أدت مجتمعة إلى ما جرى يوم 6/8. على أن يكون ذلك، بطريقة شفافة وغير انتقائية، ووفق آليات قضائية عادلة تماماً وذات مصداقية، ومستوفية لشروط التقاضي وفق المعايير الدولية.

خريطة طريق… لجبهة “الممانعة”

أما الأحزاب المؤلفة لـ”جبهة الدفاع عن الديمقراطية” فمسؤوليتها الوطنية اليوم في وأد أشباح الفتنة وكبح جماح الصراع الداخلي غير المثمر تبدو على رأس الأولويات الوطنية التي يتعين أن تتصدى لها بشجاعة. فليس تهييج الشارع، والرهان على الأجنبي، ومماحكات الخطابة السياسية على شاشات الفضائيات، من ضمن الأولويات الوطنية الملحة الآن، كما أنها لا تتناسب مع تقاليد وتاريخ بعض هذه الأحزاب الأربعة، ومستوى شعبيتها التقليدي الكبير في الشارع الوطني.

وفي أسوأ السيناريوهات -من منظور “الجبهة”- فإن أقصى ما هو مطلوب منها هو أن تلعب دور المعارضة الديمقراطية المسؤولة، في مواجهة الحالة القائمة الآن. وهو دور لا غنى عنه لترشيد القرار السياسي خلال المرحلة المقبلة. كما أنه سيكون فرصة جيدة للاستعداد لأي استحقاق انتخابي مقبل، ومن موقع يعفي أحزاب الجبهة من أية مسؤولية عن أي قصور قد يواجه أداء السلطة التنفيذية، السابقة، أو الآتية في حال عدم اشتراكها فيها، في النهاية.

ولعب دور “المعارضة” الديمقراطية ينبغي ألا ينظر إليه على أنه غبن، أو تهميش سياسي، خاصة أن ائتلاف حزبيْ “عادل” و”التحالف” هو من كان يسيِّر الأمور حتى ما قبل أسبوعين فقط، وكان يطلب بإلحاح من أحزاب أخرى أن تمتلك الشجاعة السياسية والأدبية للعب هذا الدور، الذي فصَّل له الائتلاف أطراً تشريعية يعرفها الجميع.

وربما تتعين –أخيراً- مخاطبة أحزاب “الجبهة” كأحزاب، لأن تحالفها الجبهوي الآن قد يكون مجرد تكتيك مؤقت، ربما فرضته ضغوط اللحظة، وليس بالضرورة زواجاً كاثوليكياً دائماً لا فكاك منه. فمصالح وتوجهات المتبقي من حزب “عادل” مثلاً أكثر ارتباطاً بنواب “قوى التغيير” الذين كانوا يشكلون معهم حزباً واحداً حتى ما قبل أسبوعين منها بمواقف وتوجهات حزبي “تواصل” و”اتحاد قوى التقدم” مثلاً اللذين تم استبعادهما من حكومة الحزب الأخيرة، لافتراق المسارات واختلاف الأجندات، بين الطرفين.

وهذه مرئيات مرتجلة وسريعة لكل واحد من الأحزاب الأربعة، فلعل فيها رأياً يستحق النظر، أو اجتهاداً يستحق التفكير فيه:
1- حزب “عادل”: إن الجزء المتبقي من هذا الحزب يمكن أن يصبح بمثابة “الحصان الأسود” المرجِّح في أي استحقاق مقبل، وفض الشراكة الداخلية في هذا الحزب اليوم أسهل بكثير من الاستمرار فيها، وخاصة أن الحزب غير عقائدي، أو بكلمة أدق هو “حزب خدمات”، وليس “حزب إيديولوجيا”. ومثلما قيل إن المصلحة العامة هي ما أملى تأسيس هذا الحزب قبل أشهر، فإن هذه المصلحة قد تقتضي أيضاً حله الآن، وقد يكون ما ينتظر المنسحبين منه في المشهد السياسي الوطني أكثر بكثير مما ينتظرهم لو ظلوا على رهانهم الحالي. أو كما يقال، فقد يكون ما في الشبكة أكثر بكثير من توقعات الصياد.

2- حزب “التحالف”: وهو عملياً أكبر الأطراف المشاركة في “الجبهة، ما يحتم عليه تحمل الجزء الأكبر من المسؤولية عن لجم التوجهات الصدامية داخلها، وذلك لأن بلادنا أضعف بكثير من أن تتحمل تداعيات صراع داخلي أهلي تغذيه قوى خارجية، على الطريقة الصومالية. ورصيد التحالف النضالي الطويل، وتقاليد أدائه السياسي الممتدة يفترض أن تكون أرسخ بكثير من أن تختطفهما أو ترتهنهما المواقف والسياسات المراهقة العابرة. وخاصة أن رهان هذا الحزب استراتيجي وحضاري، ورهان بعض من يتحالفون معه الآن رهان شخصي وتكتيكي. وشتان بين الرهانين.

3- حزب “تواصل”: يتعين على قادة هذا الحزب أن يستخلصوا العِبر من مخاطر اتباع سياسات حافة الهاوية، أو تجريب المبادرات المغامِرة، وينبغي أن يكون المطروح على طاولتهم اليوم هو أولوية تسليك حزبهم في المشهد السياسي المستقبلي، والحفاظ على ما حققوه من مكاسب بدل المجازفة بكل ذلك في تحالفات عائمة وحالة سياسية سائلة، لا يعرفون متى ينقلب عليهم فيها المنقلبون.

4- حزب “اتحاد قوى التقدم”: يبدو هذا الحزب في سياق مماحكات ورطانة السجال الحالي هو الأكثر راديكالية، حتى لا أقول الأقل عقلانية، ولكن هذا لا يعني صعوبة تراجعه عن مواقفه المتشددة الحالية، لأنها ليست مواقف نسقية، صادرة عن منظومة ثقافية أو إيديولوجية، بل هي مواقف مرتبطة برهانات مؤقتة وقابلة للتغيير في أية لحظة. وبالمناسبة، لا أعرف إن كان من اللباقة تهنئة “الرفاق” هناك بمناسبة النجاح الباهر لأولمبياد بكين. فقد أثبت “المجتمع الاشتراكي السعيد” حقاً أنه قادر على حصد الميداليات الذهبية، حتى لو كان الناس فيه لا يولدون وفي أفواههم ملاعق الذهب!

شاهد أيضاً

لِينشَأْ حكماء في منطقتنا المغاربية *

تتّخِذُ الأنظمة السياسيّةُ الفاشلةُ العائهةُ بِـما جعلتْ بينَها وبين تنميّة بلدانها وتحقيقِ طموحاتِ شعوبها إلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *