الرئيسية / مقالات / الخليل النحوي :تساؤلات على هامش الانقلاب السادس في موريتانيا

الخليل النحوي :تساؤلات على هامش الانقلاب السادس في موريتانيا

عرفت موريتانيا في تاريخها المعاصر ستة انقلابات ناجحة أحدثت كلها تغييرا في قمة هرم السلطة. وقد انفرد انقلاب سابع قصير الأمد قاده المرحوم العقيد أحمد بن بوسيف باستبقاء رئيس الدولة في منصبه وإجراء تغيير في هيكلة الحكومة والمجلس العسكري الحاكم. كان انقلاب العاشر يوليو 1978 فاتحة الانقلابات، وقد أنهى فترة 18 سنة تقريبا من حكم الرئيس المؤسس المختار بن داداه، وجاء في أعقاب ثلاث سنوات من حرب الصحراء التي هوجمت فيها العاصمة نواكشوط مرتين. أما الانقلابان المواليان فقد كانا بمثابة تغيير عاجل من الداخل أحلت به اللجنة العسكرية عن طريق التصويت رئيسا عسكريا محل رئيس عسكري، فيما بدا وكأنه بحث عن صيغ أفضل تضمن استتباب الحكم. وكان الانقلاب الأبرز انقلاب 12 ديسمبر 1984 الذي قاده العقيد معاوية بن سيدي أحمد الطايع في وقت كانت فيه المحاكم العسكرية نشطة والسجون عامرة بمعتقلي الرأي. واستتب الأمر للرئيس معاوية أكثر من عشرين سنة، شهدت محاولات انقلاب عديدة وانتهت بانقلاب الثالث من أغسطس 2005 الذي جوبه بدءا ببعض التحفظ الدولي، لكن قادته لم يلبثوا أن نجحوا في تحقيق إجماع وطني ودولي حول برنامجهم، حين التزموا بتنظيم انتخابات شفافة وبعدم الترشح لأي من الاستحقاقات الانتخابية الموعودة.
ويمتاز الانقلاب السادس الذي وقع في السادس من أغسطس 2008 عن الانقلابات السالفة بسمات من أبرزها أنه:
– وقع ضد رئيس نصب في أعقاب انتخابات تعددية شارك فيها 19 مرشحا وتوجه فيها الناخبون لأول مرة إلى صناديق الاقتراع مرتين لحسم اختيارهم في جولة ثانية من التنافس بين مرشحين.
– لم تتسع تشكيلة هيئته القيادية لجميع قادة المناطق العسكرية.
– أول انقلاب يواجه ممانعة داخلية منظمة وعلنية وممانعة خارجية واضحة.
– أول انقلاب يتوكأ على برلمانيين منتخبين في دعم عملية تغيير للسلطة بالقوة.
وبينما دأبت الانقلابات السابقة على الإفصاح في بيانها الأول عن مسوغات، وفي تسمية الهيئات الحاكمة عن مشروع سياسي ما (الإنقاذ الوطني، الخلاص الوطني، العدالة والديمقراطية) ولم تجد غضاضة في التصريح بصفتها العسكرية (اللجنة العسكرية، المجلس العسكري…)، خرج انقلاب السادس من أغسطس على المألوف، فاقتصر في بيانه الأول على الإعلان عن إلغاء الإجراءات التي اتخذها رئيس الجمهورية بشأن إقالة بعض كبار الضباط، ولم يفصح عن هويته العسكرية ولم يعلن من خلال تسمية هيئته الحاكمة عن مشروع سياسي. بل ترك “مجلس الدولة” أو “المجلس الأعلى للدولة” التبريرات لبيانات وتصريحات لاحقة، أضفت على ما وقع صفة “التصحيح” ورفضت نعته بالانقلاب.
ولا شك أن ما وقع في السادس من أغسطس، حتى ولو سميناه “تصحيحا”، يتفق مع سائر الانقلابات في كونه استيلاء على السلطة بقوة السلاح، وإن اختلف عنها فيما تقدم وفي جرأة الحركة وسرعتها، إذ لم يسبق أن أطيح برئيس موريتاني، مدني أو عسكري، في مدة لا تتجاوز 15 شهرا من بداية حكمه، هذا إذا استثنينا الخروج الهادئ للعقيد محمد محمود بن أحمد لولي ومجموعة من زملائه من دائرة الحكم في مطلع الثمانينيات.
فما الذي فعل الرئيس سيدي محمد بن الشيخ عبد الله حتى يرحل بمثل هذا الانقلاب، وبتلك السرعة، ويرحل معه ـ إلى حين؟ ـ حلم موريتانيا بأن تكون قاعدة متقدمة للديمقراطية في محيط لم تهب عليه رياحها إلا قليلا؟

للتاريخ….

لم يكن الأمر خارج دائرة التوقع، وإن كان الحلم قد بدا أكبر…
في أواخر أيام الفترة الانتقالية الأولى (مارس 2007)، كتبت على صفحات الشعب الحكومية، وفي صدرها سعة يومذاك، أحلم أن ننجح هذه المرة في تسجيل هدف ثالث في ملعب التاريخ، وقلت إن القادة العسكريين قد أثبتوا ” نسبة من المناعة تجاه إغراءات الكرسي وأكدوا لحد الآن أنهم مستعدون ـ على الأقل ـ لإخلاء القصر الرمادي”.
وفعلا، كان بعض ذلك ولبعض الوقت، فقد نُظّمت الانتخابات تحت سمع العالم وبصره، وارتفعت أسهم موريتانيا السياسية، فاكتسبت سمعة دولية نقلتها من هامش الجغرافيا إلى متن التاريخ، وهتف المتظاهرون باسمها في شوارع المدن العربية الكبرى، وباهى بها حملة الأقلام، وانبهر بها بعض كبار الساسة إلى حد أن زعيم دولة عربية تحدث، قبل نحو ثلاثة أشهر، بإعجاب بالغ عن التجربة الديمقراطية الموريتانية، متوقعا أن تجد موريتانيا فيها حلا لأعقد مشكلاتها.
غذت تلك الصورة الزاهية أحلامنا بأن تكون السنوات القليلة القادمة فترة انتقالية فاصلة، يعمل فيها الجميع عسكريين ومدنيين وقوى سياسية فاعلة ليدفعوا، من الوقت والصبر والإنصاف والرقابة الواعية والتعاون، ذلك الثمن الضروري لإقناع الناس بسلامة المسار الذي ضحى أولئك القادة العسكريون من أجله وبشروا به وساهموا من خلاله، مع الشعب كله، في فتح بوابة التاريخ المعاصر أمام موريتانيا وفي كتابة اسمها على جبين الشمس، بحروف تجربة ديمقراطية غير مسبوقة، اكتسبنا بها احترام العالم وتقديره.
لكن أحلامنا الجميلة تلك لم تكن خلوا من بعض الكوابيس التي تنغصها، ففي المقال المذكور ذاته قلت إن ” البنية الاجتماعية القائمة، مضافة إلى الوضع المادي والمعرفي لسواد الناس، هي بنية عاملة ناصبة على ارتهان قرار المئات أو الآلاف بأيدي الآحاد”… وإن “البلد لم يكتشف بعد طريق التغيير الهادية إلى تشكيل خريطة سياسية جديدة يكون الحزب فيها إطارا لمشروع مجتمعي وليس نقابة أو ودادية أو حقيبة سفر”… وإن مما يخشاه الناس “أن يسترد الجيش أعطيته، وأن يقدم له الساسة حكاما قادمين وغيرهم ذريعة لذلك، فنرجع القهقرى وتنفتح “الشهية” لإصدار البيان الأول المرة تلو المرة”.

يؤسفني أن تكون هذه “الكوابيس” قد انتقلت من طور الحلم إلى طور الحقيقة، وأن تكون تلك التوقعات قد صدقت، ولم تنجح في تحقيق الحلم ولا في إطالة أمده تلك الثقة المطلقة التي وضعها الرئيس في معاونيه العسكريين، ولا استجابته لتشكيل حكومة سياسية عوضا عن حكومة التكنوقراط التي استهل بها عهده، ولا سعيه لتوسيع قاعدة حكمه باستيعاب أحزاب كانت في الخندق الآخر، ولا تسليمه رئاسة الحكومة ومواقع مهمة فيها للأغلبية السياسية التي دعمته واشتكت كثيرا من تغييبها في المرحلة الأولى من حكمه، بل ولا استجابته لمطلب إقالة الحكومة الوليدة قبل أن تقدم برنامجها السياسي.
كان ذلك أشبه شيء بلغز، لكنه لم يكن مستعصي الحل، فقد تحدث الناس عن سعي منسق لبعض القيادات العسكرية الفاعلة، استطاعت به أن تستقطب بعض نواب الأغلبية وأن تستثمر رغبة المعارضة في اقتناص أول فرصة متاحة لإعادة ترتيب الوضع السياسي، وأن تضع البلد في أتون أزمة سياسية خانقة كانت معالجتها تحتاج، فضلا عن الحكمة، إلى وقت تبين أنه غير متاح.
………
قبل الانقلاب بنحو أسبوعين، حملت جانبا من هذه الهموم وتلك الهواجس إلى أحد كبار القادة العسكريين، وفي النفس ما فيها من التقدير له والأمل فيه.
في حديثي إليه، ذكّرت بداية بالصفحة التي فتحتها موريتانيا في سجل التاريخ، بجهود أبنائها وبمشاركة أساسية لا مراء فيها منه ومن القادة العسكريين الذين ساعدوا في تأسيس سنة التداول السلمي على السلطة. توقعت منه أن تقابل الثقة المطلقة التي وضعها الرئيس فيه وفي بعض القادة العسكريين بدعم لا محدود، وقلت له ما معنى بعضه إن الفترة الباقية هي فترة حضانة تحتاج إلى تعاون الجميع حتى يقبل المواطنون في نهايتها على صناديق الاقتراع ويحتكموا إليها وهم مطمئنون إلى أن الطريق سالكة والتجربة واعدة. ثم أفصحت لذلك القائد عن بعض الهواجس التي تساورني وتساور الكثيرين، فسألته عما إذا كان الذين يتحركون يومئذ، بدعم ـ كما يقول الناس ـ من بعض القادة العسكريين، يفكرون في مخاطر ما بعد “الهدف القريب المنظور” الذي يسعون إليه؟ هل فكروا في المحطة التالية؟ هل هم مطمئنون إلى أنهم سيسيرون معا لإكمال “المشوار”؟ ألا تخشون ـ أو يخشون ـ أن تزرع هذه الحركة الجارية اليوم أشواكا في طريق من يحكم مستقبلا أيا كان؟
طرحت أسئلة من هذا القبيل على ذلك القائد، وذكرته بالآمال المعلقة على القادة العسكريين لحماية التجربة التي ساهموا بجدارة في تأسيسها.
قال لي محدثي ـ ضمن ما قال ـ إنهم لا ينكرون صلتهم بتحرك طائفة كبيرة من البرلمانيين (تصر على إقالة الحكومة الوليدة بل وتفكر في محاكمة الرئيس).. ورد على أسئلتي القلقة بأن ما يجري هو “ميكانيزم” انطلق ولم يعد باستطاعة أحد التحكم فيه. لكنه طمأنني بتأكيده على أن الهدف هو مصلحة الوطن، وباتفاقه معي على خطورة عدم الاستقرار على البلد.. خرجت من عنده، وقد قدرت له صراحته، وقررت الاحتفاظ لنفسي ببعض ما قاله لي، حرصا على عدم المساهمة في تأزيم الوضع. لكنني شعرت بالقلق تجاه “ميكانيزم لا أحد يستطيع التحكم فيه”، وعدت أعلل نفسي بما ذكره محدثي من حرص على مصلحة الوطن وعلى استقراره، وبما أعلمه من رغبة الرئيس سيدي محمد بن الشيخ عبد الله في بذل كل ما بوسعه من أجل الوصول إلى موقف قوام لا ضرر فيه ولا ضرار، ثم بما أمني به نفسي من أن العقلاء أكيس من أن يطلقوا عملية لا يتحكمون في سيرورتها. قلت في نفسي: وحدها الحروب عادة ـ أعاذنا الله منها ـ يمكن لأي كان أن يتخذ قرارا بإطلاقها، ولكن من الصعب على من أطلقها أن يوقفها متى شاء.
وإياك والأمر الذي إن توسعت موارده ضاقت عليك المصادر

للمستقبل…
واليوم، وقد حصل ما حصل، ولم يعد باستطاعتنا، وإلى أجل غير مسمى، أن نباهي بالطبعة الموريتانية المتميزة من الديمقراطية، يطرح المشهد السياسي الراهن أسئلة ملحة لا مناص من البحث لها عن إجابات مقنعة، ليس ضرورة من أجل “تقصي الحقائق” ولكن من أجل تأمين مستقبل موريتانيا، وحتى لا يلدغ المؤمن من جحر مرارا، أو حتى لا نعيد المرة تلو المرة حمل صخرة سيزيف.
يطرح المشهد السياسي الموريتاني الراهن أسئلة كبرى حول قضايا كثيرة منها العلاقة بين السياسة والأخلاق، وبين العسكر والسياسة، وبين الديمقراطية والبنى الاجتماعية القائمة، وبينها وبين الأوضاع الاقتصادية والتربوية للناس، وبينها وبين التنمية، وبين التنمية وأشكال الحكم السياسي… لكنني سأضرب صفحا الآن عن هذه الأسئلة على أهميتها البالغة، وسأكتفي بمناقشة عجلى لأحكام تقريرية تقرع مسامع الناس بعنف وقسوة منذ السادس من أغسطس، خاصة في ظل ثقافة كنا نحلم بأن يكون نجمها إلى أفول… ثقافة تقوم على تبخيس كل عمل صالح ونفي كل خير وتضخيم كل خطأ، ثقافة تثبت صدق الشاعر أبي الفتح البستي في عجز بيته:
الناس أعوان من والته دولته وهم عليه إذا عادته أعوان
لا أستبعد أن يحمل تلك الثقافة بعض من يحملونها عن حسن نية، ولكنني أعتقد أن مناقشة “مسلماتها” ضرورية لتحقيق حد أدنى من التوازن في الرؤية والقصد في الحكم، أملا بأن يمهد ذلك لمراجعة تتهيأ بها النفوس لطرح أسئلة كبرى والبحث لها عن إجابات…
سوف تبدو التساؤلات التي نطرحها في هذه المناقشة دفاعا عن الرئيس سيدي محمد بن الشيخ عبد الله، وذلك أمر مشروع لا أتنصل منه البتة، وإن كنت لا أدعي للرئيس ولا لغيره العصمة، لكن الهدف الأعمق هو الدفاع عن موريتانيا المستقبل، موريتانيا التي تحتاج في حياتها القادمة إلى من يقودها، بأصوات أبنائها، طليقا غير مكتوف اليدين، عادلا غير مستبد، قويا من غير عنف، لينا من دون ضعف، رحيما غير فظ ولا غليظ القلب.. موريتانيا التي تحتاج إلى رؤساء يحكمون ويقودون وهم يعلمون أن الشعب هو وحده الذي يمنحهم الثقة ويسحبها منهم ويحاسبهم على ما عاقدهم عليه.
أحسب أن الدفاع عن موريتانيا المستقبل والمنافحة عن حق رؤسائها القادمين أيا كانوا في العمل للوفاء بالتزاماتهم يتطلب استخلاص الدروس والعبر مما يجري في البلد، واستكشاف ما تنطوي عليه الحملة الشعواء المشنونة اليوم على الرئيس “سيدي” من مخاطر الارتكاس بالمجتمع والإيغال بأهل الرأي وحملة الفكر من بنيه في ثقافة الانتجاع السياسي والظعن الدائب بين عدوتي الولاء والبراء، تتبعا لمساقط الغيث السياسي ومواقع الكلأ الإداري.
ومع التسليم بأن بعض من يشاركون في تغذية تلك الثقافة قد يصدرون في سعيهم عن اجتهاد لهم فيه تكأة من مبادئ أو مواقف سابقة، فإن استشراء هذه الثقافة، عُرْيًا من بوصلة قيم هادية، يشكل خطرا ماحقا سيكون من يحكمون أول ضحاياه، وقد لا يسلم نافخ الكير من شرارة تقع عليه، من حيث لا يدري ولا يريد… ومعظم النار من مستصغر الشرر!

لماذا وقع الانقلاب؟
تتناغم أصوات إعلامنا الرسمي وأصوات بعض الفاعلين السياسيين لتمدنا بإجابات كثيرة لعل من أبرزها: تفادي ما هو أسوأ لأن رئيس الجمهورية كاد بقرار اتخذه أن يدفع بالبلاد نحو حرب أهلية!..
لسائل هنا أن يسأل: هل تراجع الشعب الموريتاني عقودا طويلة إلى الوراء؟.. هل انحسرت منظومة القيم الدينية والاجتماعية في الجمهورية الإسلامية الموريتانية؟.. هل انهار رصيدنا من بناء الدولة الحديثة إلى الحد الذي يجعلنا نخشى من الدخول في حرب أهلية لمجرد أن ضباطا سامين ـ كانوا موضع ثقة عالية ومحل احترام وتقدير كبيرين ـ أقيلوا من مناصبهم؟ لا أريد أن أهون من شأن القرار، ولكنني أريد أن أسترعي الانتباه إلى خطورة الربط بين إجراء من هذا القبيل وبين احتمال وقوع حرب أهلية؟ ألا يطعن الذين يتحدثون عن هذا الخطر في شرف الضباط السامين أنفسهم؟ ألا يفترض أن يكون هؤلاء الضباط أحرص على وطنهم منهم على مناصب بإمكانهم أن ينالوا مثلها أو خيرا منها؟ أتكون تلك سنة متبعة، بحيث تكون إقالة أي مسئول سام إرهاصا إما بانقلاب أو بحرب أهلية، لا قدر الله؟ أم أن إقالة قائد عسكري قد تؤدي من ذلك إلى ما لا تؤدي إليه إقالة واعتقال رئيس دولة منتخب أو وزير أول معين من لدن هذا الرئيس؟ ما الفرق بين ضباطنا السامين الحاليين وأولئك الذين سبقوهم ممن شغلوا المراتب العالية وغادروها دون أن يتحدث أحد عن احتمال الدخول في حرب أهلية أوعن ضرورة انقلاب أو تصحيح؟ ما أحسب إلا أن لضباطنا اليوم مسكة من وطنية وحلم ونهى وبقية مما ترك الأولون من أضرابهم الذين سبقوهم، فلو دامت لأولئك لما وصلت إلى هؤلاء.
أتمسك شخصيا، شأن جل أبناء موريتانيا، برصيد عال من الثقة في جيشنا وفي ضباطنا السامين، وأربأ بهم أن يفكروا في التضحية بوطنهم لمجرد فقدان وظيفة قد تسترجع أو تعوض بمثلها أو أحسن منها.. وأعلم ـ ويعلم الناس ـ أن وزراء ورؤساء وزارات وقادة عسكريين أقيلوا أو نقلوا من مناصبهم على امتداد تاريخ الدولة الموريتانية، شأنها في ذلك شأن غيرها من دول العالم، ولم يحدث ـ قبل اليوم ـ أن قيل إن ذلك كان يمكن أن يجر إلى حرب أهلية.. بل إن رؤساء جمهورية أقيلوا أو انقلب عليهم من قبل، ولم يعتبر ذلك مدعاة إلى حرب أهلية..
………..
أعلم أن الانقلاب لم “يبرر” بمجرد إقالة القادة العسكريين، وإنما برر بتهم أخرى بينها أن رئيس الجمهورية اتخذ قراره ليلا، وأنه عطل عمل المؤسسات، وأن حكمه اتسم بالاستبداد والفساد والرشوة وتدهور الظروف المعيشية للسكان وتبذير المال العمومي وغيرها من التهم التي توزن اليوم في الإعلام الرسمي الموريتاني بميزان الحسنات عند الله: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة…
لن أتوقف كثيرا عند اتهام رئيس الجمهورية بإعداد المرسوم المستفز ليلا.. فقد يكون المرسوم أعد ليلا كما يقال، وقد يكون أعد نهارا وأجلت إذاعته إلى الغد أو إلى يوم لاحق.. وعلى فرض أنه أُعد ليلا، فما الذي يحملنا على اعتبار رئيس الجمهورية رئيسا بالنهار فقط لا سلطة له في الليل؟ هل بايعه الناس على أن يحكم بالنهار، وقالوا له : كلام الليل يمحوه النهار؟ لما ذا لم نسجل عليه عمله شبه الدائب شطرا من الليل واتخاذه لقرارات عديدة في أوقات متأخرة نسبيا من الليل؟ أذكر جيدا أنني حضرت معه اجتماعا من هذه الاجتماعات امتد إلى نحو انتصاف الليل، واتخذ في نهايته قرارا بالخطة الاستعجالية الأولى وأعلن القرار يوم عطلة، ولم يطعن أحد فيه بسبب توقيته…
أما اتهام رئيس الجمهورية بأنه عطل عمل المؤسسات فهو من المضحكات المبكيات لمصادمته الواقع المشهود، في غالب الشأن على الأقل، ولعدم قيام الحجة فيه على ضرورة الانقلاب . ألم يمارس البرلمان سلطاته كاملة في التشريع والاستجواب والرقابة على العمل الحكومي في دورات استغرقت ثمانية أشهر من أصل الـخمسة عشر شهرا من ربيع الديمقراطية والحريات العمومية في موريتانيا؟ ألم ينه السادة البرلمانيون دورتهم الاستثنائية في شهر يوليو دون أن يتمكنوا من تناول قضايا مهمة لأسباب تتعلق بهم لا بالحكومة؟ ألم يكونوا يرغبون أصلا في تأجيل الدورة الاستثنائية التي يزمع رئيس الجمهورية استدعاءها إلى شهر سبتمبر؟ كيف أصبحت الأيام المعدودات أمدا طويلا، حين بدا لبعضهم من بعد ذلك بداء، ورغبوا في استدعاء دورة طارئة عاجلة؟
أعلم أن الزمن النفسي حاكم مهيمن على الزمن الرياضي، وبدون ذلك يصعب على المرء أن يفهم كيف طالت الأيام عندما طلب جمهور من النواب دورة استثنائية، وكيف قصرت الأسابيع والشهور عندما كانت الحكومة هي الراغبة في عقد دورة استثنائية؟ لكن هل يكفي تأجيل أسابيع فضلا عن أيام ـ مهما كانت وطأة الزمن النفسي ـ للحكم بأن رئيس الجمهورية عطل عمل المؤسسات؟ وهل كان التأجيل أصلا بنية التعطيل أم كان دفعا بالشكل تذرعت الحكومة فيه بالحرص على تطبيق النصوص؟ أما كان بإمكان السادة البرلمانيين أن يصبروا أياما معدودات ويحاولوا الوصول إلى هدفهم باحترام نصوصهم، بدل اتهام رئيس الجمهورية بتعطيل عمل مؤسستهم؟ أليس هو نفسه ذلك الرئيس الذي واجه من قبل انتقادات عديدة ممن اتهموه بأنه لم يمارس “دوره” في التأثير على الغرفتين عند انتخاب لجانهما واختيار رؤساء تلك اللجان؟ ألم يقل منتقدوه آنذاك إنه أفرط في الإيمان بالمؤسسات في دولة لم تصبح بعد دولة مؤسسات؟ ومع ذلك، ألم يفضل الرئيس أن يواجه ذلك النقد على أن يتدخل في سير البرلمان؟
وعلى فرض أن الرئيس مسئول عن تأجيل الدورة الاستثنائية، وحتى عن رفضها ـ وهو ما لا دليل عليه ـ ألا يحق لنا أن نتساءل عما إذا كان ذلك كافيا لاعتبار طرق الحل الديمقراطي كلها مسدودة، والحال أن في الوقت سعة لمزيد من السعي وإقامة الحجة. بل إن الدستور يمنح رئيس الجمهورية ما هو أكثر مما اتّـُهم به، ألا وهو حل البرلمان، وإن كان ليس بالضرورة أفضل الحلول. هل أخطأ الموريتانيون عندما صوتوا على دستور يمنحهم رئيسهم هذا الحق؟
هل كان على العربات المصفحة أن تتحرك للإطاحة برأس الدولة حتى تفض النزاع بين الحكومة والبرلمان ، أو بين الفرقاء السياسيين المتنازعين في الكويت ولبنان وكينيا وزيمبابوي وتايلاندا وأوكرانيا وبوليفيا وغيرها من الدول التي عاشت أزمات سياسية في الشهور الماضية ولم تشهد انقلابات عسكرية، أم أنه اختصاص موريتاني محض؟ هل كانت الأزمة السياسية عندنا معقدة ومعضلة ومزمنة ومعمرة أكثر من أي أزمة أخرى في أي بلد آخر، وإلى حد لا ينفع معه إلا الدواء بالكي؟
هل كانت آليات الديمقراطية ـ حتى وإن اعترفنا بأنها فصلت أصلا على مقاس غير مقاسنا ـ عاجزة عن حل الإشكالات القائمة، أم أن قدرتها على حل هذه المشاكل أضعف من قدرة السيف، حتى نناجز المتنبي ونرد عليه قوله:
الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أول وهي المحل الثاني
هل كنا بصدد فتح عمورية حتى ننشد مع أبي تمام:
السيف أصدق أنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب
أم أننا وضعنا بلدنا في مأزق كان بإمكان من وضعوه فيه أن يخرجوه منه باللين والرفق على حد قول شاعرنا ابن الشيخ سيديا:
ينال بالرفق ما بالعنف لم ينل…
هل كانت موريتانيا البلد الوحيد الذي لا تجدي فيه الآليات الدستورية نفعا؟ وفيم التبشير إذن بالانتخابات وبالديمقراطية من جديد؟ وما الحاجة إذن إلى البرلمان، خاصة إذا كان هذا البرلمان لا يستطيع أن يُـسَيـّر سجاله مع الحكومة إلا بسلطان من سيف مصلت ومدفع منصوب؟
…………….
هل كان سيدي محمد بن الشيخ عبد الله ذلك الرجل الذي عرفناه مُوَطّأ الأكناف، دمث الخلق، حريصا ـ ربما لحد الإسراف ـ على التفويض الواسع للسلطات والتشاور المنتظم مع كل الفرقاء؟ أم كان ذلك الرجل الذي يوصف بالاستبداد والسلطوية والتعطيل الممنهج لعمل المؤسسات؟؟ كم عدد الرؤساء الذين يقاسمون زعماء المعارضة في بلادهم منصة الشرف في المناسبات الرسمية؟ ألم تكن تلك، بتلاوينها الأخرى، لوحة شرف رائعة ارتسمت في موريتانيا لأول مرة في عهد الرئيس الذي يوصف اليوم بأنه كان مستبدا؟ كم كان عدد سجناء الرأي في ظل حكم هذا الرئيس “المستبد”؟ كم عدد الأفواه التي كممها أو الصحف التي صادرها؟ ألم يقبل رئيس الجمهورية في تواضعه وإيمانه بالحرية أن يكون مادة للبرامج الكوميدية في التلفزة الموريتانية الرسمية؟ ألم يرفض ما درجت عليه وسائل الإعلام الرسمية من تمجيد الحاكم لحد التقديس؟ أكان سيدي محمد بن الشيخ عبد الله مع ذلك كله فظا لا يصلح له إلا القرع بالعصا ؟؟
أكان العمل الجاد من أجل الفصل بين السلطات، وتنظيم سلسلة من حلقات التشاور الموسعة حول قضايا الوطن وإطلاق المنتديات العامة للتربية وتأسيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي خطوات على طريق الاستبداد؟
……………..
لنضرب عن ذلك صفحا، ولننظر في اتهام رئيس الجمهورية بالمسئولية عن تدهور الظروف المعيشية للسكان…
ربما كان سيدي محمد بن الشيخ عبد الله ـ وليس بدعا في ذلك من رؤساء هذا الزمان ـ رئيسا غير محظوظ لأنه انتخب في بلد تبلغ نسبة الفقر فيه نحو 46 بالمائة، ولأن بلده هذا جزء من كوكب يعاني كله في هذا الزمان من أزمة طاقة وأزمة غذاء عالمية تشتد وطأتها على أولئك الذين لا ينتجون غذاءهم. لكن هل يمنحنا ذلك الحق في اتهامه الرئيس سيدي بالمسئولية عن تدهور الظروف المعيشية للسكان؟ هل منحنا أنفسنا الوقت والوسائل اللازمة لمعرفة إن كان الموريتانيون قد أصبحوا حقا أشد فقرا منذ أن انتخبوا سيدي محمد بن الشيخ عبد الله رئيسا؟ وهل منحناه هو الوقت ليحارب الفقر كما ينبغي أو كما نريد منه أن يحاربه؟ هل نريد منه في سنة وبضعة أشهر أن يحقق في موريتانيا ما لم تحققه آمريكا على مدى عصور للفقراء في حي هارلم في قلب نيويورك، ولم تحققه أوروبا لنحو 70 مليونا من فقرائها، ولم تحققه فرنسا لـنحو 7 ملايين فقير نحو نصفهم يعيشون تحت خط الفقر النسبي!. بأي منطق يكون رئيس جمهورية تسلم مقاليد الأمور لتوه مسئولا عن فقر الشعب الموريتاني، وكأن الفاقة ما مست هذا الشعب إلا منذ سنة أو تزيد، وكأن أي مجهود لم يبذل من أجل التخفيف من معاناة السكان والتحسين من ظروفهم المعيشية؟.. ألم يكن الرئيس سيدي محمد بن الشيخ عبد الله، على ضيق المهلة التي منحت له، صاحب المبادرة في الدعوة إلى النفير العام من أجل الزراعة وفي إطلاق برنامج التدخل الخاص الذي نظرت إليه الهيئات الدولية ذات الاختصاص بتقدير ملحوظ ووصفته بأنه نموذج يحسن بالدول الأخرى أن تستلهم منه؟ ألم تعلن بعض الدراسات المحايدة أن نسبة الهشاشة الغذائية قد انخفضت في موريتانيا بعد إطلاق هذا البرنامج؟ ألم تعلن الجهات الدولية المختصة أن موريتانيا حققت عام 2007 نسبة نمو تناهز 6 بالمائة؟ وأين نحن من الورشات الكبرى التي نشطت في ولاية الرئيس، خاصة مشروع آفطوط الساحلي الذي تزحف أنابيبه بسرعة نحو نواكشوط، ومشروعات أخرى على وشك الانطلاق مثل تأهيل طريق كيفه ـ الطينطان، وطريق نواكشوط ـ القوارب، وتوسعة ميناء نواذيبو، فضلا عن تخفيف عبء المديونية على موريتانيا. ألم تتمهد السبيل للدخول في مشروعات أخرى واعـدة، مثل مشروع مطار نواكشوط الدولي الجديد، ومشروع بناء الحرم الجامعي، وصرح البرلمان الموريتاني، وسكة الحديد، وتوسعة ميناء نواكشوط، وإطلاق شركات طيران جديدة، ومشروع المدينة السياحية في نواذيبو؟ ألم يشرع المستثمرون الخواص في التنافس بقوة وحماسة على الاستثمار في ميادين الإعمار والزراعة والنقل والخدمات وغيرها من الميادين الحيوية في موريتانيا؟ ألم ينجح الرئيس سيدي محمد بن الشيخ عبد الله في إقناع هيئات التمويل العربية بالتعاون مع موريتانيا في تصميم وتمويل خطة لتحقيق الاكتفاء الغذائي في أفق عام 2012؟
أيجوز لنا مع ذلك أن نعتبر أن رئيس الجمهورية لم ينجز شيئا ولم يحرك ساكنا؟
وأبناء موريتانيا الذين عملوا تحت إمرته خلال الشهور الماضية، أيا كانت مواقعهم، ألا يجدون في اتهام رئيس الجمهورية اتهاما مباشرا لهم، وهم الذين وقفوا معه بجد وكد لتهيئة الظروف لانتعاشة اقتصادية مميزة؟
……..
لننظر الآن في اتهام رئيس الجمهورية سيدي محمد بن الشيخ عبد الله بالفساد والرشوة وتبديد المال العام.
ألم يسن الرئيس “سيدي” لأول مرة في تاريخ البلاد سنة التصريح بالممتلكات حتى يقال للمسئول عن بينة: من أين لك هذا؟ ألم يبدأ في ذلك بنفسه، ثم يحول مبادرته إلى قانون بإجازتها عند البرلمان؟ ألم يتنازل عن خمس راتبه للخزينة العامة طواعية ليقتدي به في ذلك وزراؤه وكبار معاونيه؟ ألم يبادر بالترتيب لتأسيس محكمة العدل السامية حتى لا يكون أي مسئول مهما علا منصبه بمنأى عن المقاضاة؟ ألم تسدد أجهزة الأمن تحت إمرته ضربات قوية إلى تجارة تهريب المخدرات؟ أهذا سلوك رجل مرتش وفاسد؟؟
هل كان سيدي محمد بن الشيخ عبد الله يؤدي دورا في مسرحية هازلة عندما جمع الولاة لينذرهم من مغبة الفساد وليقول لهم إن خدمتهم للناس بأمانة وإخلاص ستكون المعيار الأساس في تقييم أدائهم؟ هل كان يمثل حينما وقف في ملأ حاشد يحذر المسئولين، على رؤوس الأشهاد، من مغبة العقاب والفضيحة معا، إذا هم خانوا الأمانة؟ أليس هو ذلك الرجل الذي كان كثيرا ما يهتف إلى معاونيه أو يستدعيهم ليطلعهم على خبر بلغه عن محاولة ما للغش وخيانة الأمانة، ويطلب منهم التحقيق العاجل واتخاذ الإجراءات الرادعة المناسبة؟ أذكر جيدا ـ وهذا مجرد مثال ـ أنه اتصل بي ذات يوم من طوكيو، وكان الوقت هناك قد تجاوز الحادية عشرة ليلا، ليطمئن على حسن سير برنامج التدخل الخاص، وكان يتسقط أخباره في الغالب بشكل يومي. صارحته يومئذ بأننا اكتشفنا اختلالات تحتاج إلى معالجة عاجلة حتى لا تتكرر، وذكرت له أن اللجنة المكلفة بتنسيق عمل البرنامج اختلفت بشأن مدى ملاءمة الإعلان عن هذه الاختلالات، فإذا به يصر بجزم وقوة على أن نكاشف الناس بالحقيقة كاملة وأن لا تقع التغطية على أي شخص، أيا كان مستواه، إذا أثبتت التحريات تورطه في التحايل على أرزاق الناس.
أذلك سلوك رجل ينشر الفساد والرشوة، كما نسمع اليوم في وسائل الإعلام الرسمية؟
………………..
نعم، يستكثر بعض إخواننا على رئيس الدولة أسفاره لتلبية دعوات قادة آخرين أو حضور مؤتمرات، ويطالبونه بكشف حساب عن كل سفر، وكأنه طفل من أطفال قارتنا السمراء يبتعثه شيخ ذو عسرة في الصباح، ليتكفف الناس على قارعة الطريق، ويسأله في الرواح عما جلب من النقود أو من فتات الموائد؟ مهمة رئيس الجمهورية أسمى من مهمة “المتسول” على قارعة الطريق أو النادل في مطعم للوجبات السريعة.. مهمة رئيس الجمهورية يفهمها الأطفال الذين ينشدون في المحضرة مع امرئ القيس:
ولو أنما أسعى لأدنى معيشة كفاني، ولم أطلب، قليل من المال
ولكنما أسعى لمجد مؤثل وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
رئيس الجمهورية يؤسس ويبني علاقات ثقة يرميها بذرة حيثما وجد تربة طيبة، ومن شأن من يبذر أن ينتظر الحصاد. رئيس الجمهورية يرفع صوت بلده ويحجز له مقعدا في المقدمة ويطلب له مجدا أسمى من الخبز، على أنه مجد يطعم ويسقي ويكسو، ولكن بشرف… ألم يحمل الرئيس المرحوم المختار بن داداه عصا التسيار والدولة أقل موارد وأضعف جندا وأقل عددا ليكسب لموريتانيا موقعا يليق بها في القارة الإفريقية وفي العالم؟ ألم يُعْرض بإباء عن قبول “فاتورة” حضوره مؤتمر القمة العربي في القاهرة، ليكسب للبلاد من وراء وقفة الإباء تلك مجدا أكبر ودعما أوفر؟
ماذا تريدون اليوم من رئيس الجمهورية سيدي محمد بن الشيخ عبد الله أن يفعل إذا استهوت تجربة موريتانيا أصدقاءها وأرادوا بدعوة رئيسها أن يعبروا عن إعجابهم بهذه التجربة وتقديرهم لهذا الرئيس؟ أتريدونه: أن يقول لمن يدعوه: قل لي أولا ما ذا ستدفع لي؟ أي بلد يحترم نفسه يدير دبلوماسيته الرئاسية بهذا الأسلوب؟ ما الذي يتوقع الناس كسبه من رفض رئيس الجمهورية تلبية الدعوات التي توجه إليه؟ أن يوفر على الخزينة ملايين؟ ألا يعلمون أنه قد يجعل موريتانيا تخسر بالمقابل أضعاف أضعاف تلك الملايين، بل وتخسر ما هو أهم من القرش الأبيض؟ أم يظنون أن رئيس الجمهورية كان يشد رحله وينيخ راحلته بباب أي كان دون سابق دعوة؟ ثم من قال إن دبلوماسية الأسفار الرئاسية لم تعد بخير على البلد؟ أليس في ذلك الادعاء تبخيس لعلاقات موريتانيا بأشقائها وأصدقائها وطعن في مصداقية هؤلاء الأشقاء والأصدقاء؟ ألا يعلم الذين يريدون رئيس الجمهورية قعيدة بيت، حرصا على موارد البلد، أن أسفار الرئيس ساهمت في تعزيز صورة موريتانيا التي انطبعت في الأذهان عام 2007 (وإن بدأت تتشكل قبل ذلك)، وأن هذه الصورة ساهمت في جلب استثمارات ضخمة للبلد، بعضها شاخص على الأرض وبعضها كان في الطريق؟ في أي عهود موريتانيا استطاعت الدولة أن تستقطب في ظرف سنة واحدة أو تزيد وعودا والتزامات بالدعم والاستثمار تناهز أربعة مليارات من الدولار؟ لماذا نتجاهل دور هذه الزيارات في تعزيز موقع موريتانيا في بعض المنظمات وفي تحسين علاقاتها بجوارها، وفي تخفيف عبء المديونية عنها، وفي التسويق لمشروعاتها الاقتصادية الكبرى وفي جلب الاستثمارات العمومية والخصوصية؟ وكم ستبدو فاتورة تلك الأسفار هينة إذا قيست بما فتحته للبلاد من آفاق واعدة!
……
بقيت “تهمة كبيرة” يهمس بها بعض خصوم الرئيس سيدي محمد بن الشيخ عبد الله في آذان “الآخرين”، فالرجل متهم عند هؤلاء بعدم الأهلية لـ “محاربة الإرهاب”. ولهم ـ فيما يذهبون إليه ـ حجج “دامغة”، فالرجل رخص ـ كما يقولون ـ لحزب إسلامي وأفسح له في السلطة، وجعل الجمعة عطلة الأسبوع، وصلى مع الناس في الجوامع، بينما كان أسلافه يقتصرون على صلاة العيدين في الجماعة، بل إنه أوغل في “التطرف” حين بنى مسجدا في القصر الرئاسي وحج البيت في عام حكمه الأول!!
ما يتجاهله من يوجهون إلى الرئيس هذه “التهم” هو أن الإقصاء والتهميش ومصادرة الحريات هي التي تصنع الإرهاب والغلو، وأن موريتانيا في ظل حكم الرئيس “سيدي” بسطت الحرية للجميع ورخصت لكل الأحزاب التي توفرت فيها الشروط القانونية المطلوبة، وأنه ليس من بين هذه الأحزاب حزب يدعي احتكار الإسلام لنفسه دون غيره، بل ولا حزب إسلامي بالتسمية، هذا مع أن أحدا لم يطعن في ديمقراطية أوربا بسبب وجود أحزاب مسيحية معلنة ومشرعة وحاكمة أحيانا.
وما يتجاهلونه هو أن الرئيس مواطن موريتاني من حقه، ومن حق العاملين والمقيمين معه أن يمارسوا شعائرهم، ويصلوا في المساجد، كما يصلى المسلمون العابرون وغيرهم في مصليات أورلي وشارل ديغول ومساجد ومصليات باريس ولندن التي تعد بالمئات…
وما وجه الغرابة في أن يكون يوم الجمعة عطلة في موريتانيا، طبقا لرغبة العمال الموريتانيين، وكما هو الشأن في الكثير من البلدان الإسلامية، ؟ ولماذا نستغرب أن يكون رئيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية مؤمنا يصلي ويحج، ويتحرى الصدق والوفاء، ولديه بقية أخلاق وشيء من التقوى؟
…….

لا يعني ذلك البتة أن قائمة الاتهام تنتهي عند هذا الحد، فما أكثر التهم وأخطرها بعد كل انقلاب، لكنها نماذج شاهدة…
ولا يعني ذلك البتة أنه لم تكن هنالك أخطاء ولا مشكلات.. لكن هل كانت المشكلات قابلة للحل ما بين غمضة عين وانتباهتها؟ وهل كانت الأخطاء غير قابلة لـ “التصحيح” بأسلوب آخر؟
بأي منطق ننتظر من رئيس جمهورية أيا كان أن يعالج في سنة عوائق ومشكلات تراكمت على مدى العصور، حتى لو كان خاتم سليمان في إصبعه، وعصا موسى بيمينه؟
بأي منطق نفكر اليوم في محاكمة رجل، بـ “جرائم” لم نمنحه الوقت الكافي لارتكابها؟
هل كان الرؤساء الذين تداولوا الكرسي على مدى نحو نصف قرن ملائكة أبرياء وكان هذا الرئيس الذي حكم عاما واحدا شيطانا فظا غليظا بالصورة التي رسمت له خاصة بعد السادس من أغسطس؟
ثم هب أن رئيس الجمهورية لم يعمل خيرا منذ أن انتخب، بل استفرغ جهده طوال خمسة عشر شهرا في الفساد والارتشاء وتعطيل المؤسسات وتبذير المال العام، فهل يكفي ذلك ليصدر عليه حكم غير معقب بأنه لا يستطيع أن يحكم البلد؟ هل كان المشرع على خطأ حين افترض أن الفترة اللازمة لإصدار حكم على رئيس جمهورية وسحب الثقة منه هي فترة خمس سنوات؟
ألم يكن من حق الموريتانيين الذين صوتوا لهذا الرئيس أن يحترم لهم اختيارهم، خطأ كان أم صوابا، إلى أن تقوم البينة على أن هذا الاختيار كان خطأ محضا لا سبيل إلى تقويمه في الأجل المسمى، ثم تتاح الفرصة لهؤلاء ولغيرهم لـ”تصحيح اختيارهم” بالطريقة التي مارسوه بها أصلا؟
ألم يكن من حق رئيس الجمهورية المنتخب أن يمنح ما منحه الدستور ومنحه الناس من الوقت لعله “يصلح فيها ما أفسد” أو تقوم عليه الحجة؟ أليس من حق الرؤساء القادمين، أيا كانوا، أن يطمئنوا إلى أن أمامهم فرصة خمس سنوات ـ لا سنة واحدة ـ للعمل، بل وللخطأ وتصحيح الخطأ، ذلك أن من لا يعمل لا يخطئ؟
أليس من حق الناخبين أن يمارسوا سلطتهم في منح الثقة وسحبها بالوسائل الدستورية المتواضع عليها؟ أم أن شعبنا لم يشب بعد عن الطوق؟ أم أنه لا يستحق هذه “المنحة” الثمينة التي “قدمها” إليه جيشه الكريم؟ وعليه، فإن الهبة لا تنعقد في حقه بالحوز، أو أن للواهب أن يعتصر هبته متى شاء؟
ولما ذا لا نبدع إذا في السياسة ونتفق على أن فترة انتداب رئيس الجمهورية هي سنة واحدة، قابلة للتمديد لفترة ثلاثة أشهر فقط لا غير، ثم يكون للبرلمان أن يقيله، فإن لم يفعل كان ذلك للجيش، وكان له أن ينصب رئيسا، وعلى المواطنين أن يذعنوا ويسلموا ويوفروا لدولتهم موارد تحتاج لصرفها في ضروريات أخرى؟

وقبل ذلك وبعده…
ألا ندرك الخطر الشديد الذي يترتب على إشاعة ثقافة السب والثلب والشتم كلما ارْبَدّت سماؤنا بغيوم طقس سياسي قـُلَّب أو سيطر علينا الوهم بسرمدية لحظة سياسية عابرة مهما طالت؟ ألا ندرك خطورة استمراء الولوغ في أعراض الآخرين قبل التثبت والتبين، أو لمجرد أننا لا نتوقع منهم ضرا ولا نفعا في لحظة من اللحظات ؟ وما هي الباقيات الصالحات التي نتوقع أن نجنيها من تضخيم الهفوات وتبخيس الحسنات، واسترخاص أصوات الآلاف المؤلفة التي وضعت ثقتها في رئيس أي رئيس، أصابت في ذلك أم أخطأت؟
أعلم أنه ليس من الضروري أن تتوافر أسباب موضوعية منطقية لتتشكل أزمة سياسية، بل إن الأزمات السياسية غالبا ما تتشكل عندما يكون المنطق غائبا ويكون العقل في إجازة.. ويكفي أن يقع ذلك في طرف ـ أيا كان ذلك الطرف ـ لتكون الأزمة..
وأعلم أن للانقلابات منطقها الشبيه بمنطق أولئك الذين لا نريد للمنقلب ولا للمنقلب عليه ولا لأحد منا أن يكون منهم، أولئك الذين ورد في حقهم: كلما دخلت أمة لعنت أختها..
ومع ذلك فإن من واجبنا أيا كانت مواقعنا ومواقفنا السياسية والفكرية أن نعمل على بناء أخلاقيات سياسية جديدة، نتشربها ثقافة وفكرا وسلوكا، ونحاول بها أن نتدارك بعض ما فاتنا بالسقوط الراهن لنموذج التجربة الديمقراطية الموريتانية وبالتداعيات المحتملة لما حدث على مستقبل موريتانيا وعلى آخرين من حولها، وعلى الحلم المشروع بأن ينجح أحفاد المرابطين في تسجيل هدف ثالث في ملعب التاريخ وفي تقديم هدية جديدة إلى بني عمومتهم المعاصرين..

شاهد أيضاً

وهم النصر *

بين حماقات بوتين وطغيان آمريكا ينقسم العرب في الاحتفاء بوهم النصر!.   أوكرانيا كشفت ضعف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *