الرئيسية / مقالات / ثورة الصمت.. ثورة الرحيل/ مصطفى ولد الشيخ أحمد /mocheix@gmail.com

ثورة الصمت.. ثورة الرحيل/ مصطفى ولد الشيخ أحمد /mocheix@gmail.com

الصمت نمط من التعبير و البيان لا يحسنه الجاهلون. . و الصمت من أرقى أساليب التعبير، لأن الصمت لغة العقل و الروح والحكمة. فمن لغة الصمت ما نقرأ من خلال تعبير الوجه و نور العينين و به يجري حديث العقل و الضمير.
كان العرب يعرفون حق المعرفة قيمة الصمت في التعبير. و هم أبلغ و أفصح امة, بلغتهم نزل القرآن فكان معجزا متحديا بأسلوبه الفذ و تعبيره الرائع الجذاب, ما سمعه أحد إلا ملأ قلبه رعبا و رهبا.

و الصمت في الموروث الثقافي العربي ظاهرة لغوية و أدبية، فمن السنة النبوية الشريفة ما قد تقرر بسكوته (صلى الله عليه وسلم) وحيا من الحق سبحانه, سكوته وحي و حديثة وحي أبلغ من تكلم و أصدق من حدث, آتاه الله جوامع الكلم. فقد أمرنا صلى الله عليه وسلم أن نعبر عن ما تضج به صدورنا بأن نقول خيرا أو ان نصمت, ويقولون أحمد البلاغة الصمت حين لا يحسن الكلام و الصمت يورث صاحبه السلامة و يؤمنه الندامة و يمنح صاحبه فرصة التفكير والتبصر في كل ما يحدث.. و من قوة تأثيره ان يولد الغيظ الشديد أحيانا لدى الآخرين جراء عضته المستترة..

أن تقول خيرا طبعا خير من أن تصمت و تلك لعمري هي حكمة غابت عنا، فالصمت ليس غاية و إنما الخير هو المنشود و المقصود. .

غاب عنا أن نجهر بالقول من أجل الخير و سكتنا يوم قتل خليفتنا عثمان فكان ما كان.. و سكتنا و صمتنا عندما دخل المغول بغداد الرشيد.. و سكتنا لما سلبت منا الأندلس.. و سكتنا و صمتنا عند عودة الصليبيين تحت شعار الاستعمار سكتنا عند رحيل المستعمر و رحيل خليفته الأول و الثاني..

سكتنا فكان صمتنا تعبيرا طبيعيا عن الرضي و الإذعان لكل من حكم، ندفع الضرائب و ندعو لهم بالمساجد سرا و علانية ندعو لهم لأنهم أصحاب الحل والعقد و المقامات السامية و أهل القوة و الجبروت, حكام الخليفة الراحل من النادي الصليبي أصحاب الشرعية في أرضنا.. خلفهم ليصطادوا له أسماكنا و يضخوا له نفطنا و يستخرجوا له أغلى ما تزخر به أرضنا..

على حين غرة قرر زعيم النادي الصليبي أن يفسد في الأرض ويتسلى بعقابنا زين له الشيطان ذبح العراق و إحياء ملك يهودا و إذكاء الفتن بين الأشقاء من الخليج إلى المحيط لتنفيذ مشاريع سماسرة العرب و تجار الربا و الأسلحة والفواحش فقط ليجدوا في ذلك رحمة و سلوى من ما أصابهم يوم الفزع يوم 11 سبتمبر 2001.. و ليشبعوا غرائزهم في التآمر و التحايل على الأرصدة العربية في صفقات التسليح الوهمية والصفقات الزائفة و تشييد البني التحتية الضخمة في الصحاري و الأرياف..

تنادي النادي الصليبي وحلفاؤه يومها لينالوا منا و نسوا ما قدم أهلنا في سبيل رفاه العالم الغربي و تفوقه الحضاري على سائر الأمم..

ذبحوا عراقنا, ذبحوا كرامتنا. ذبح الحاكم و المحكوم و فقدنا الصبر و قد رأينا دماءنا البريئة تنزف فى العراق على شاشات التلفاز و الانترنت.. و سكت حكامنا و عادوا إلى سالف عهدهم, تفقير الفقير و تجهيل الجاهل وقمع المواطنين و تهميش أصحاب الكفاءات و الشرفاء و تقريب المنافقين و المتزلفين و نهب خيرات البلاد والعباد و كبت الحريات و استغلال موارد الدولة للتحكم في الجماعات و الأفراد.

لم يمت العراق و لم تتهود فلسطين و بات الإذعان للحكام المأجورين من الكفر والنفاق..سئم المواطن المسكين انتظار المجهول، انتظار الغد المشرق، انتظار مستقبل لم يتصوره عقله و لم تصنعه يداه, تحت وطأة الغلاء و البطالة وفقدان الأمل في غياب مشاريع وطنية طموحة تستهدف الرفع من مستواه..سئم الصمت للخطباء و الأبالسة و شعراء النثر والمنظوم.

آلان و قد علمتنا التجارب أن السكوت كان من لغو الكلام و أن الصمت بعد اليوم حرام و أن الوطن العربي في حالة ثورة لأن أمتنا واحدة و آلامنا واحدة و أرضنا واحدة و ربنا واحد. فهي ثورة الجميع يفهمها الجميع و يحس بها الجميع ثورة جامعة لاسترجاع كرامة الإنسان العربي.. ثورة حطمت جدار الصمت بين الحاكم و المحكوم، حطمت أسطورة من الحكايات و الطلاسم ما أنزل الله بها من سلطان حالت بينه و بين ماضيه حالت بينه و بين حاضره و مستقبله.
و ها هو ذا يخرج ثائرا يقول: “لن نصمت و لن ننتحر و سنثور لنحيا و لن نعيش لنموت. أيها الفارس العربي يا ضمير الأمة و حامي بيضتها من دنس الاحتلال و الإذلال لا تنتحر بعد اليوم فقد تحققت أحلامك. فعقولنا تحررت من الريب و التردد و سئمنا الانتظار و البؤس والشقاء و التبعية. لا تنتحر بعد اليوم فالقتل أصبح في قاموس الثورة العربية جبنا و هزيمة جاءت به الأنظمة الزائلة و الآفله و ليذهب معها إلى الجحيم.”

ثورة العرب هذه ثورة لترميم و إصلاح العقل العربي و واقعه المعاش. و ليست ثورة انتقام و لاهي تمرد على الواقع. ثورة طابعها الرزانة و القوة و المرونة وطول النفس, إنها ثورة التقويم و الإصلاح وثورة من أجل ترسيخ القيم الديمقراطية والعدالة من اجل الإنسان مهما كان لونه و ذوقه و دينه وثقافته. هي ثورة على معايير التخلف و المقاسات المبيتة.

إنها ثورة الجميع ثورة بلا شعار شعارها الرحيل. ثورة قوم يحبون الرحيل من أجل الحياة, ففيه تجديد الجو و المناخ و الانتقال إلى الأفضل إلى حيث العشب و الكلأ و الماء و الحياة.

لقد حان وقت الرحيل لمن طال عليهم الأمد من الحكام و حان الوقت ليثور الجميع على أنظمتهم و يستبقون الأحداث في ساحتهم فيحيطون أنفسهم بسواعد التغيير و كبار المثقفين و العلماء لكى لا يأسوا على ما فاتهم و تحين الساعة و يولون الدبر. أفلا يرون أن قافلة الرحيل قادمة لا محالة و أن الذي يجري نتيجة حتمية للصراع المرير و التجارب القاسية التي أفضت بالكثير من أبناء هذه الأمة إلى الموت و العذاب في السجون المظلمة الموحشة و التهميش و المطاردة في سبيل الحرية والعدالة و الكرامة.

باختصار، إنها رحلة في فضاء الحرية و الديمقراطية و التنمية يحلق من خلالها المواطن العربي نحو آفاق المستقبل الزاهر ويحتل بها مكانته اللائقة بين الأمم ليستعيد مجده و قيمه الفاضلة و دوره الرائد في نشر العلم والثقافة و السلم بين الأمم..و لن ينتحر.. و لن يركب زوارق الموت.. و لن يبحث عن فردوس الأحلام على أرض الآخرين.. و ستتحول أرضه إلى جنة و أجواؤه إلى رحمة.. أرضه طيبة مباركة تزخر بأسباب القوة و الرفاه و لن تشقى به بعد اليوم.

شاهد أيضاً

بين تباكي عزيز و بكاء ذبابه *

بلغة غاية في الركاكة (“زواج سفر” ، اندباط”)، و أفكار مضطربة ، تأخذ من كل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *