مقالات

كان هذا في دولة قانون (ملاحظات حول برنامج في الميزان) / محمدٌ ولد إشدو

نحن نصبو إلى أن نكون دولة قانون، وندعي في كثير من الأحيان أننا كذلك. ولكن ما دام التجاهل التام للنصوص القانونية الصريحة الآمرة، والتلاعب بها، والتحريف المطلق للواقع الملموس المشهود، هي الطريقة التي يدير بها بعض الساسة الشأن العام عندنا، فإنه لا أمل في تحقق مرادنا، وعلينا وعلى دولة القانون السلام.

برنامج “في الميزان” هذه المرة خفيف على اللسان ثقيل في الميزان؛ لأنه يعالج وضع قطاع أساسي بالغ الأهمية ينخره الفساد منذ زمن بعيد رغم جهود المصلحين. وقد حاول رئيس الجمهورية إصلاحه منذ سنوات، فلم يكتب لتلك المحاولة النجاح. ووعد في خطاب تنصيبه في مأموريته الثانية بإعطاء الأولوية لإصلاحه؛ ومع ذلك لم نر حتى الآن إصلاحا يلوح في الأفق، وظلت:
“دار ابن لقمان على حالها** والقيد فيها والطواشي صبيح”.
رغم إمكانية وإلحاح وضرورة الإصلاح. إذ لا أمل في الأمن، والأمان، والتنمية، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وإرساء المؤسسات الديمقراطية ودولة القانون ما لم توجد عدالة.
والآن وقد تفضل معالي وزير العدل بالحديث علنا عن هذا القطاع، فلا بأس في تقديم بعض الملاحظات التي من شأنها أن تثري النقاش، وتنير الرأي العام حول حالة العدالة المزرية. والملاحظات هي كالتالي:
1. تحدث السيد وزير العدل مجددا عن مسألة احتجاز الرهائن من الحرس بالسجن المدني، وتحمل بشجاعة نادرة مسؤولية ما جرى، وقال إنه من فاوض محتجزيهم، وإنه توجد لحظات فارقة لا يوجد فيها رئيس ولا مرؤوس، وعلى المسؤول في تلك اللحظات أن يتحمل مسؤوليته. وهذا لعمري موقف يذكر للوزير فيشكر. لكن بالتعريج على أسباب تلك الحادثة ونتائجها، لا بد لنا أن نسأل معالي الوزير عمن يتحمل مسؤولية الحبس التحكمي الذي دام أشهرا والذي أنتج تلك الأزمة؟ قد يقول الوزير ويقول بعض أعوانه إنهم كانوا يدرسون ملفات السجناء المنتهية عقوبتهم.. ولكن أي نوع من الدراسة هذا الذي يستمر عدة أشهر؟ إنكم – يا معالي الوزير- مارستم الحبس التحكمي. وتنازلتم من موقع ضعف، إن لم نقل صاغرين، وأذللتم الدولة وأطلقتم سراح السجناء تحت التهديد بقتل حراس السجن.
سيدي الوزير؛
تحملتم مسؤولية التفاوض مع إرهابيين، فلماذا لا تتحملون مسؤوليتكم فتحددوا المسؤول عن أسباب هذه الإهانة وتحاسبوه حسابا عسيرا؟ وماذا يفيدنا كدولة قانون تحملكم لمسؤولية التفاوض ما دامت الأوضاع لم تتغير، ومن الممكن أن يتكرر نفس الخطأ في أي وقت ما دام القانون ينتهك. وها هو يتكرر وينتهك القانون في حادثة تحويل سجناء الخزينة من طرفكم. هؤلاء أيضا يمكن أن يدفعهم الظلم – أو يدفع بعض ذويهم- إلى ما قام به الآخرون. فالظلم مرتعه وخيم.
2. وذكر السيد وزير العدل أنهم عاكفون في الوزارة على سن مجموعة من القوانين من بينها قانون آخر يجرم العبودية ويشدد العقاب. ولكن كيف يفهم السيد وزير العدل أن ما يحتاجه قطاعه ليس سن القوانين، فهي متوفرة بكثرة ما شاء الله؛ بل تطبيقها. ويعني وجود الكادر البشري الصالح، والرقابة، ومنح الثواب وإنزال العقاب. ومتى يفهم السيد وزير العدل وحكومته الموقرة أنه لم تعد توجد عبودية في موريتانيا من زمن بعيد. وأن خرافة الرق التي يلهث البعض خلفها إنما هي فخ سياسي ورثوه عن الرؤساء الراحلين وسقطوا هم في مستنقعه. فخ تعيش عليه ومنه بعض الأحزاب والمنظمات المشبوهة التي لا تريد الخير والتقدم لموريتانيا؛ بل تريد لها التدابر والفتنة، وأن تظل غارقة في الوهم وتطارد خيط دخان بدل أن تعمل عملا صالحا يفيد المهمشين والضعفاء من الأمة.
وما انتفاع أخي الدنيا بناطره ** إذا استوت عنده الأنوار والظلم؟!
3. أما الطامة الكبرى في لقاء السيد وزير العدل فكانت حديثه عن تحويل سجناء الخزينة إلى بئر أم غرين. لقد قال السيد الوزير إن ذلك التحويل تم وفقا للقانون ومن أجل مصلحة السجناء. والأمر ليس كذلك! لقد بينت في مقال سابق مخالفة ذلك التحويل للقانون وذكرت المواد الإجرائية التي تحكم التحويل، وهي المواد 597 إلى 602 من مدونة الإجراءات الجنائية. ويعرف السيد الوزير في نفسه وهو يسرد نفس المواد، ويعرف الملمون بهذا الشأن، أنه خالف القانون واغتصب صلاحيات المحكة العليا التي تملك وحدها ذلك الحق. أما عندما يقول لنا متداركا: “إن المدعي العام هو الذي يملك حق توجيه الطلب إلى المحكمة العليا وقد وجه الطلب وما زلنا ننتظر حكمها” فإنما يعني قوله أحد أمرين:
إما أن معالي الوزير يستخف بعقول الشعب والمتهمين وذويهم ومحاميهم، وعقول المحكمة العليا أيضا.
وإما أن معاونيه يضللونه ويقنعونه بالباطل.
إذ كيف تتخذ قرارا لا تملكه وتنفذه مدعيا أن لك وحدك الحق في اتخاذه. ثم تتوجه بكل أريحية إلى صاحب الحق تطلب منه أن يشرّع لك ما اغتصبت من حقه؟ أنا لا أظن أن المحكمة العليا ستتعامل مع طلب من هذا النوع (مشورة فم القربة) ولا أظن كذلك أن قاضي التحقيق في تيرس سوف يأخذ صلاحيات قاض آخر انتزعت منه غصبا.
سيدي الوزير؛
إن لوبي المصالح المسيطر في الوزارة، والذي أقنع سلفك باغتصاب صلاحيات المحكمة العليا حين سلم السنوسي من وراء ظهرها، والذي لم تغير فيه ساكنا، قد أدخلك في ورطة تحويل سجناء الخزينة الذي لا تملكه، وما عليك – إن كنت تحترم القانون- إلا أن ترجعهم إلى قضاتهم الطبيعيين، ثم تسعى – إن شئت- بالطرق القانونية إلى تحويلهم. ويعني ذلك أن تتبع الإجراءات وتقنع المحكمة العليا – بالأدلة والبراهين- بما تحاول أن تقنعنا به عبثا من ضرورة وجدوى ذلك التحويل؛ فهي وحدها صاحبة الحق بقوة القانون.
وأغرب مما قاله وزير العدل في هذه النقطة، صمت نادي القضاة المنتفض في بيانه عن اغتصاب وزير العدل لصلاحيات المحكمة العليا وهي قمة هرم السلطة القضائية! فهل يوجد دليل أبلغ من ذلك على عدوان السلطة التنفيذية على استقلال السلطة القضائية؟ “إذا ضرب الإمام خاف المؤذن”!
ثم ألا تعني حقوق متهمي الخزينة المنتهكة نادي القضاة الذين يفترض أنهم حماة الحقوق والحريات الفردية والجماعية؟
4. وأخيرا، لا يسعنا إلا أن نشكر السيد وزير العدل على النداء الذي ختم به لقاءه طالبا منا جميعا أن نطلعه على ما يجري في العدالة من خلل أو حيف، واعدا بإصلاحه؛ فتلك هي قمة الانفتاح والتواضع وتقريب العدالة من الشعب. وإنه لمن الممكن للذين لم يجربوا بعد أن يسلكوا هذا الطريق فيضيعوا أعمارهم في متاهاته التي لا تنتهي ولا تجدي شيئا. أما نحن الذين كتبنا الرسائل ورفعنا التقارير ورابطنا بباب المكتب وتقدمنا بالقرارات والمعاينات والخبرات وأعمال التفتيش التي تفيد كلها وجود ظلم واضح لا غبار عليه، ضحاياه مواطنون ومستثمرون أجانب، ولم يتحرك ساكن – رغم كثرة الوعود المعسولة- لأن اللوبي المسيطر هو من يقرر.. فلن نجازف من جديد، ولن نلدغ مرتين. وإن مصنع الروس المغتصب في نواذيبو وعمارات الإسبان المغتصبة في نواكشوط لخير دليل على ما نقول.
من فضلكم، أوقفوا هذا الدجل.

مواضيع مشابهة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button